بعد خمسة أيام من مغادرتها ميناء صحار العُماني، تعرضت سفينة الشحن "هدى" (M/V Huda) لضربة أمريكية في خليج عُمان، انتهت بإعلان القيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم) تعطيلها، بعدما قالت إن طاقمها تجاهل تحذيرات متكررة وحاول خرق الحصار البحري المفروض على إيران.
لكن ماذا تكشف بيانات الملاحة عن تحركات السفينة قبل استهدافها؟ ومن يقف وراء ملكيتها وإدارتها؟ وهل كانت مدرجة على قوائم العقوبات الأمريكية؟
تتبعت وحدة المصادر المفتوحة في شبكة الجزيرة حركة السفينة باستخدام بيانات منصة "مارين ترافيك" المتخصصة في تتبع حركة السفن، إلى جانب مراجعة سجلات ملكيتها وإدارتها وقوائم العقوبات الأمريكية.

مسار قبل الضربة
تكشف بيانات منصة "مارين ترافيك" أن سفينة الشحن "هدى"، التي تحمل رقم المنظمة البحرية الدولية (9197088)، غادرت ميناء صحار العُماني في 2 نوفمبر/تشرين الثاني الجاري، وأبحرت باتجاه مضيق هرمز، قبل استهدافها في 7 نوفمبر/تشرين الثاني.
وعقب إعلان الضربة الأمريكية، أظهرت بيانات التتبع بقاء السفينة في موقع قبالة سواحل خورفكان الإماراتية، حتى آخر إشارة وثقها فريق التحقيق عند الساعة 11:46 صباح الأحد 8 نوفمبر/تشرين الثاني بتوقيت الدوحة.
أخبار مقترحة
ويتفق عدم ظهور تحرك واضح للسفينة في بيانات الرصد الأخيرة مع إعلان سنتكوم تعطيلها، وإن كانت بيانات الموقع وحدها لا تكفي لتحديد حجم الأضرار التي لحقت بها أو حالتها الفنية.

إبحار قرب قشم
وبالعودة إلى سجل رحلات السفينة، أظهر تحليل أجرته الوحدة أن "هدى" أبحرت داخل المياه الإقليمية الإيرانية في 28 أغسطس/آب الماضي، قبالة ميناء بندر عباس وشرق جزيرة قشم.
وتكتسب هذه البيانات أهميتها في ضوء الرواية الأمريكية التي تحدثت عن زيارة السفينة ميناء إيرانيا قبل استهدافها.
لكن المسار الذي وثقه التحقيق في أغسطس/آب يثبت وجود السفينة في تلك المنطقة خلال الفترة المحددة، ولا يكفي وحده لإثبات زيارة ميناء إيراني خلال رحلتها الأخيرة في نوفمبر/تشرين الثاني.

ملكية وإدارة أجنبية
وبمراجعة سجلات السفينة، تبين أنها تحمل رقم المنظمة البحرية الدولية (9197088)، وهو رقم تعريف ثابت يتيح تتبع السفينة عبر سجلاتها المختلفة.
وتشير بيانات الإدارة التي راجعها فريق التحقيق إلى ارتباط السفينة بشركة "في آر إس للخدمات البحرية المحدودة" (VRS MARITIME SERVICES LTD)، ومقرها اليونان، بينما تظهر شركة "نور الهدى للشحن" (NOUR ELHUDA SHIPPING CO LLC)، ومقرها تركيا، بوصفها مالكة السفينة.
كما راجع الفريق قوائم العقوبات الصادرة عن مكتب مراقبة الأصول الأجنبية التابع لوزارة الخزانة الأمريكية (أوفاك)، ولم يعثر، وفق المراجعة التي أجراها، على إدراج للسفينة ضمن القوائم التي شملها البحث حتى قبيل استهدافها.
ولا يعني غياب السفينة عن قوائم العقوبات، بحد ذاته، أنها مستثناة من إجراءات الحصار البحري الأمريكي، الذي تقول واشنطن إنه يشمل السفن الداخلة إلى الموانئ الإيرانية أو الخارجة منها.
حصار بحري مستمر
يأتي استهداف "هدى" في إطار استمرار الحصار البحري الذي تفرضه الولايات المتحدة على حركة السفن المرتبطة بالموانئ الإيرانية.
وتقول القيادة المركزية الأمريكية إن عمليات تطبيق الحصار منذ يوليو/تموز الماضي أدت إلى إعادة توجيه 147 سفينة تجارية امتثلت للتعليمات، وتعطيل خمس سفن تجارية قالت إنها رفضت الامتثال.
كما تقول واشنطن إن الحصار منع إيران خلال الأشهر الأخيرة من تصدير نفط خام تتجاوز قيمته 25 مليار دولار، وهي تقديرات أعلنتها القيادة المركزية الأمريكية.
قوة مهام جديدة
وبالتزامن مع استمرار العمليات البحرية، أعلنت القيادة المركزية الأمريكية، السبت 7 نوفمبر/تشرين الثاني، تشكيل قوة مهام جديدة تحمل اسم "آيرون غيت" (Iron Gate)، أو "البوابة الحديدية"، بهدف توسيع نطاق إجراءاتها ضد حركة نقل الأسلحة والمواد الخاضعة للعقوبات المرتبطة بإيران.
وبحسب البيان الأمريكي، تضم القوة نحو 20 عسكريا ومدنيا، وتتخذ من مدينة تامبا بولاية فلوريدا مقرا لها، وتعمل بالتنسيق مع وكالات حكومية أمريكية أخرى.
وتستهدف القوة، وفق سنتكوم، منع نقل أنظمة الأسلحة المتطورة والتقنيات المزدوجة الاستخدام والمواد الخاضعة للعقوبات، إضافة إلى ما تصفه واشنطن بمصادر الإيرادات غير المشروعة، عبر الحدود البرية الإيرانية وبحر قزوين.
وتأتي هذه الخطوة في سياق توسيع الإجراءات الأمريكية من الموانئ والممرات البحرية إلى طرق النقل البرية وبحر قزوين، في وقت تتواصل فيه الجهود الدبلوماسية لإنهاء النزاع بين واشنطن وطهران.
وبالعودة إلى السفينة "هدى"، تكشف البيانات التي جمعها التحقيق جانبا من رحلاتها السابقة وهويتها التجارية وموقعها بعد الاستهداف، لكنها تترك سؤالا مهما دون إجابة حاسمة: أي ميناء إيراني زارته السفينة في رحلتها الأخيرة، ومتى غادرته؟
فبينما تؤكد القيادة المركزية الأمريكية أن الضربة جاءت بعد زيارة ميناء إيراني ومحاولة خرق الحصار، توثق بيانات الملاحة التي راجعها التحقيق مغادرة صحار والمسار السابق قرب قشم وآخر موقع مرصود قبالة خورفكان، دون أن تقدم وحدها دليلا مستقلا على تفاصيل الزيارة الإيرانية التي تحدثت عنها واشنطن.



















