تتحول الحدود المصرية السودانية، الممتدة نحو 1200 كيلومتر، إلى ملف أمني متصاعد مع تحول أجزاء واسعة منها إلى ممرات لتهريب البشر والذهب.
ويربط أستاذ العلاقات الدولية في الجامعة الأردنية حسن البراري هذا التصاعد بتراجع قبضة الدولة السودانية على المناطق الحدودية وضعف المؤسسات والتنافس على السلطة، ما أنتج فراغا أمنيا يستفيد منه مهربو الذهب والبشر والسلاح.
أخبار مقترحة
ويضيف البراري -خلال حديثه لفقرة "جذور القضية" على شاشة الجزيرة- أن التنقيب غير المشروع لم يكن المشكلة الأصلية، بل يعتبر أن الحرب السودانية الداخلية هي التي أعادت تشكيل مخاوف المصريين.
ويرى أن التأطير المصري للقضية يقوم على وجود شبكات تسعى إلى ممرات لوجيستية بين مصر وليبيا، وبناء اقتصاد مواز قائم على التهريب، وهو ما تعده القاهرة تهديدا للأمن القومي.
كما تعتقد مصر أن ملف الذهب يهدد استقرار الدولة السودانية، لأنه يزوّد طرفي القتال بموارد تمدد الحرب، حيث يشير البراري إلى تطابق المصلحة المصرية مع مصلحة قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان في وحدة السودان تحت سلطة الجيش، لأن استمرار الحرب يخلق فراغات أمنية تكلف معالجتها أكثر من تكلفة مواجهة المنقبين.
ارتباط التعدين بالخريطة العسكرية
وبحسب فقرة جذور القضية، يعود توجه السودان نحو قطاع تعدين الذهب إلى عام 2011، عقب انفصال جنوب السودان وخسارة الخرطوم جزءا من إيراداتها النفطية، ولكن قبل ذلك فرضت قوات الدعم السريع نفوذا على مناطق غنية بالمعدن الأصفر شمال إقليم دارفور، لتصبح شركة الجنيد التابعة لها عام 2019 إحدى الشركات المصدرة الرئيسية للذهب في البلاد.
ويوضح هذا المسار -وفقا للفقرة- كيف مكّن الذهب قوات الدعم السريع من توفير عائدات لبناء قوتها العسكرية، ومع اندلاع الحرب بينها وبين الجيش السوداني في 15 أبريل/نيسان 2023، ارتبطت مناطق التعدين بالخريطة العسكرية في السودان، وهو ما بات يشكل مخاوف أمنية لمصر.
وفي السياق ذاته، تتوالى الأحداث الدامية على الحدود بين البلدين الجارين، ففي يونيو/حزيران الماضي قُتل 23 عاملا سودانيا جراء غارة استهدفت منطقة لتعدين الذهب على الحدود السودانية المصرية، وتضيف الفقرة أن غارة جوية مصرية أخرى في 10 أكتوبر/تشرين الأول الماضي استهدفت منجما للذهب على الحدود بين البلدين أدت إلى مقتل 72 عاملا.
وبعد يومين من هذه الغارة أعلن المتحدث العسكري المصري أحمد عثمان استمرار تنفيذ حملة مجابهة أعمال ما وصفه بالتنقيب غير المشروع عن خام الذهب بالصحراء الشرقية، كما أعلن في الخامس من الشهر الجاري مقتل ضابطين في الجيش المصري خلال الحملة التي استهدفت عمليات التنقيب غير المشروعة على الحدود الجنوبية.
المعالجة العسكرية لا تعالج الأزمة
وفي تعليقه على هذه الإستراتيجية، يوضح البراري أن مصر تريد الاستفادة من الذهب، لكن دون أن يؤدي ذلك إلى تقويض الدولة السودانية، ويرى أن الأزمة ليست سودانية فقط، بل لها أبعاد إقليمية، مع وجود شركاء لهم مصلحة في تهريب الذهب إلى أسواق بعيدة.
ومن جهة أخرى، يرى أستاذ العلاقات الدولية أن المعالجة العسكرية المصرية ضرورية لحماية الحدود والتعامل مع شبكات التهريب، لكنها تعالج مظاهر الأزمة فقط لا جذورها، ويلفت إلى أن جذور الأزمة مرتبطة بإنهاء الحرب داخل السودان، وهو ما يتطلب تعاونا داخليا وإقليميا، لأن استمرار الحرب مرتبط بتضارب المصالح الإقليمية، وفق رأيه.
وفي الإطار نفسه، يوضح البراري أن استمرار الحرب مرتبط بطبيعة المشاركة الخارجية في استدامتها، لا بالعوامل الداخلية وحدها، ويؤكد أن المعالجة الأمنية للحدود لا تنهي الأزمة.
وحول سبل الحل، يقول البراري إن أي مقاربة أفريقية للتدخل في الشأن السوداني تصطدم بالخلافات بين الدول الأفريقية التي تحد من فاعليتها، مشيرا إلى مصالح متقاطعة: رغبة إثيوبيا في منفذ بحري، واهتمام مصر بوحدة السودان، وتناقض المصالح الليبية مع طرفي الحرب.
ويضيف أن الوساطة الأفريقية وحدها قد لا تكون عاملا حاسما، مناديا بضرورة تدخل دول كبرى مثل أمريكا، ودور إقليمي حاسم لبعض الدول المعنية بالاستقرار في السودان.
ويخلص البراري إلى أن الحرب ليست داخل السودان فقط، بل تمتد آثارها إلى الجوار المصري عبر التهريب والفراغ الأمني، مؤكدا أن معالجة ملف الذهب تحتاج إلى مقاربة تجمع بين الضبط الأمني للحدود والحل السياسي الإقليمي.

















