في ليلة الرابع من أكتوبر/تشرين الأول 2026 ساد الذهول جناحا في فندق "رينيسانس" بمدينة ساو باولو. كان الرئيس البرازيلي لولا دا سيلفا يتوقع أن يحسم الانتخابات من الجولة الأولى، فإذا به متأخر عن منافسه اليميني فلافيو بولسونارو بأكثر من مليوني صوت.
لم يبق أمامه سوى 21 يوما لإنقاذ مسيرة سياسية امتدت أربعة عقود، وشخّص مستشاروه المشكلة بوضوح، إذ لم يكن العيب في البرنامج ولا في الرجل، بل في الوسيلة التي انتهجتها حملته، فالنقابي العجوز الذي صنع مجده بالخطابة المباشرة أمام الحشود لم يكن يملك هاتفا ذكيا أصلا، بينما كان خصمه يخاطب أنصاره منذ شهور بمقاطع سيلفي عفوية من هاتفه.
أخبار مقترحة
بعد 21 يوما كان لولا قد صور عشرات المقاطع بنفسه، واقتنى أول هاتف ذكي في حياته، وانضم إلى قناة على واتساب قفز عدد مشتركيها من نحو 50 ألفا إلى قرابة 11 مليونا.
ثم فاز بولاية رابعة، ليصبح أول مرشح في تاريخ البرازيل منذ اعتماد نظام الجولتين عام 1989 يتدارك هزيمة الجولة الأولى ويحسم الرئاسة.

لم تكن البرازيل استثناء، فقد تكرر المشهد في ساحتين أخريين وبأرقام أكثر إثارة للدهشة:
- في نيويورك: أنفق معسكر أندرو كومو، حاكم الولاية السابق، نحو 56 مليون دولار، مقابل أقل من 17 مليونا لزهران ممداني. وكان ممداني نائبا محليا لم تتجاوز نسبة تأييده 1% في استطلاعات فبراير/شباط 2025. ومع ذلك فاز بمنصب العمدة بنسبة 50.4%، في انتخابات تجاوزت فيها المشاركة مليوني ناخب لأول مرة منذ عام 1969.
- في ميشيغان: خاض عبدول السيد الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي وهو متأخر عن منافسته هالي ستيفنز في الإنفاق الخارجي بنسبة 12 إلى 1، وبنسبة 30 إلى 1 على شاشات التلفزيون. فاز رغم ذلك، ثم تغلب على الجمهوري مايك روجرز بنسبة 51.9% مقابل 46.1%، ليصبح أول مسلم يُنتخب لمجلس الشيوخ الأمريكي.
وبحسب بيانات لجنة الانتخابات الفدرالية حتى 31 أكتوبر/تشرين الأول، بلغ الإنفاق المستقل المعلن لمهاجمة السيد في الانتخابات العامة نحو 133.7 مليون دولار.
فإن كان ثمة قاسم مشترك يجمع اشتراكيا ديمقراطيا شابا في نيويورك، وطبيبا من أصول مصرية في ميشيغان، ورئيسا ثمانينيا في البرازيل، فبالتأكيد ليس الحظ، وإنما قواعد التواصل نفسها مع الجمهور التي انتهجها ثلاثتهم.
فقد أدرك الثلاثة، كلٌّ بطريقته وفي توقيته، أن الجمهور لم يعد يجلس أمام الشاشة ينتظر الإعلان، وأن الجيل الجديد لا يصدّق من يخاطبه من فوق المنابر، بل من يتحدث إليه بلغته وعلى منصاته وبإيقاع يومه، ويقابله ويجلس إلى جواره، حتى يشعر بأن المرشح واحد منه، يشبهه ويخاطبه.
تتتبع هذه المادة هذه القواعد بالدليل والتفسير، وتعتمد على أطروحة أكاديمية من جامعة شيكاغو، وشهادات من داخل حملة ممداني، وتحليلات لأساتذة في الاتصال السياسي، وتقارير صحف عالمية.
وتجدر الإشارة إلى أن هذه المادة ترصد إستراتيجيات التواصل التي انتهجها الثلاثة في الوصول إلى جمهورهم وإقناعه، دون أن تتناول مضامين خطابهم السياسي، أو السياقات التي أفرزت هذه الظاهرة، أو العوامل الخارجية التي ألقت بثقلها على المشهد الداخلي في الولايات المتحدة والبرازيل ووجّهت خيارات الناخبين.

ثلاث ركائز لا تعمل منفصلة
تخلص أطروحة "الرسالة والإعلام والزخم: فهم نجاح حملة زهران ممداني لرئاسة بلدية نيويورك 2025" إلى أن الحملة قامت على ثلاث ركائز:
- انضباط الرسالة.
- وحسن توظيف الإعلام الرقمي الحديث.
- والنزول إلى الناس.
أعدت الأطروحة الباحثة ميغانا هالبيه، ونشرتها جامعة شيكاغو في أبريل/نيسان 2026. ومن أهم ما تشير إليه أن هذه الإستراتيجيات لم تُفرض من أعلى، بل أُعيد تشكيلها باستمرار بناء على ردود التغطية الإعلامية والجمهور على الإنترنت، وفي اللقاءات الميدانية.
ويصف البروفيسور ستيوارت سوروكا، أستاذ الاتصال السياسي في جامعة كاليفورنيا لوس أنجلوس (UCLA)، حملة ممداني بأنها نموذج مثالي للحملة الهجينة الحديثة. ويرى أن نجاحها جاء على الأرجح من تكامل الحضور الرقمي والعمل الميداني، لا من أحدهما وحده.
ويقصد بذلك الحملة التي تعمل في بيئة إعلامية متعددة الطبقات في آن واحد: الفعاليات الميدانية، والتغطية الإخبارية التقليدية، ومنصات التواصل المختلفة، بحيث يغذّي كل منها الآخر، فاللقاء في الشارع يتحول إلى مقطع على تيك توك، والمقطع يجند متطوعين يطرقون الأبواب.
وقد أكد ذلك فريق الحملة نفسه، تقول غابرييلا زوتراو، من الفريق الرقمي، إن نجاح ممداني على المنصات ما كان ليتحقق لولا نجاحه الميداني وكثرة من نظموا أنفسهم على الأرض، وإن الناس كانوا يدركون أنه لا يكتفي بنشر مقاطع على تيك توك.
وتفصّل النقاط التالية كيف تحولت هذه الركائز إلى ممارسات، وأين التقت التجارب الثلاث.

كيف نجحت هذه الحملات؟
الرسالة تولد من الشارع لا من مكاتب المستشارين
بعد الانتخابات الرئاسية الأمريكية عام 2024 توجه ممداني إلى حيّي برونكس وكوينز، وسأل الناخبين لماذا صوتوا لدونالد ترمب، أو لماذا لم يصوتوا أصلا.
كشفت الإجابات شعورا بالخذلان من الحزب الديمقراطي، وضيقا شديدا من الارتفاع المتواصل في أسعار الغذاء والسكن. وبعد فترة وجيزة أطلق حملته حول القضية الأكثر تكرارا على ألسنة هؤلاء: القدرة على تحمل تكاليف المعيشة، وتجنب الحديث عن الأشياء التي لا تهم المواطنين قاصدا بذلك ألا يصرف تركيز الحملة إلى غير ما يحقق لها الفوز والظفر.
تصف زوتراو ذلك بأنه حلقة تغذية راجعة مستمرة، إذ يسأل الفريقُ الناسَ عما يقلقهم، ثم تصاغ السياسات والرسائل بناء على إجاباتهم.
وفي البرازيل جاء الدرس بالمعكوس، ركزت حملة لولا في الجولة الأولى على سيرته وإرثه التاريخي، ورأى منتقدون أن ذلك قراءة خاطئة لما يريد البرازيليون المرهقون سماعه.
وكتب أحد المحللين أن خطأ حملة لولا في الجولة الأولى أنها قدّمت تاريخه وإنجازاته كأنها تمثال تذكاري اكتمل بناؤه، لكنه كان في الحقيقة بعيدا عن حياة الناس وعما يرغبون في سماعه، لكن في الجولة الثانية انتقل الخطاب إلى الهموم اليومية للناخبين، وبطريقة تناسبهم.
أما عبدول السيد فقضى العام السابق للانتخابات بين الناس في مواقعهم، وقف مع موظفي الصحة، وعمال السيارات المضربين، ونظّم الشباب في الجامعات، وزار مجتمعات طالما شعرت بالإهمال. وحين وقف في تجمّعه الختامي بديترويت عشية الانتخابات، كان قد زار 125 مدينة في ميشيغان، وشارك في أكثر من 700 فعالية عامة منذ إطلاق حملته في أبريل/نيسان 2025.
انضباط الرسالة.. وعود قليلة ملموسة قابلة للتكرار
توقع الجميع أن تدور معركة نيويورك حول الجريمة والفساد الإداري، لكن حملة ممداني نقلت النقاش عمدا إلى غلاء المعيشة، وحصرته في ثلاثة وعود واضحة مباشرة الأثر على حياة الناس:
- تجميد زيادة الإيجارات في نحو مليون شقة بحيث يحمي القانون سكانها من الزيادات الحرة.
- حافلات سريعة ومجانية.
- رعاية أطفال شاملة ومجانية.
لامست هذه الوعود أكبر أعباء المعيشة، السكن والنقل ورعاية الأطفال والغذاء، وجاءت كلها بسيطة وسريعة الاستيعاب.
وأجمع من حاورتهم أطروحة جامعة شيكاغو على أن هذا الانضباط كان حاسما، فما يحرك الناخب، بتعبير أحد أعضاء الحملة، هو أن تقول له كيف ستتغير حياته عندما تصبح مسؤوله المنتخب.
وقال أندرو، أحد صناع محتوى الحملة "عليك أن تصل إلى لب الفكرة بسرعة فائقة، وإلا خسرت اهتمام الناس". وتؤكد استطلاعات الرأي صواب هذا الرهان. فقد رأت أغلبية ساحقة من الناخبين أن تكاليف السكن مشكلة كبيرة، وفاز ممداني بأصوات ذوي الدخل المتوسط والمستأجرين.
وبعد تسلمه المنصب عيّن ممداني في فبراير/شباط 2026 ستة من أعضاء المجلس التسعة. وفي 25 يونيو/حزيران 2026 صوّت المجلس بأغلبية 7 مقابل 1 على عدم زيادة عقود السنة والسنتين، بدءا من أكتوبر/تشرين الأول.
واتبع عبدول السيد النهج نفسه، فبنى خطابه على ثلاث ركائز:
- إخراج المال من السياسة.
- ووضع المال في جيوب الناس.
- والرعاية الصحية للجميع.
والمنصة هنا وسيلة لشرح السياسات لا بديل عنها، يقول جوناثان ناغلر، المدير المشارك لمركز الإعلام الاجتماعي والسياسة في جامعة نيويورك، إن الناخبين لن يقولوا إنهم صوتوا لممداني لأنهم رأوا مقطعا لطيفا، بل لأنهم تعلموا من المنصات شيئا عن سياسات تهمهم.
وهذا ما يميز حملة ممداني عن حملة كامالا هاريس عام 2024، التي طغت عليها الجماليات والعبارات الرائجة الخالية من المضمون السياسي، كما يقول.
"عليك أن تصل إلى لب الفكرة بسرعة فائقة، وإلا خسرت اهتمام الناس"
أحد صناع حملة ممداني
لغة قريبة بلا تكلف
في مقطع من سلسلة (Subway Takes) على تيك توك، جلس ممداني في عربة مترو ممسكا ببطاقة المترو كأنها ميكروفون، وقدّم نداء جريئا كما تقول الباحثة، حيث قال إنه يجب أن يكون هو العمدة القادم. حصد المقطع أكثر من ثلاثة ملايين مشاهدة.
وفي مقطع آخر ركض في ماراثون تحت شعار "أنا أركض… لتجميد الإيجار"، مستثمرا أن كلمة (running) في الإنجليزية تعني الركض والترشح معا، فصارت العبارة تُقرأ في الوقت نفسه: "أنا مرشح لتجميد الإيجار".
ولجأ عبدول السيد إلى الأسلوب ذاته عندما عرض تحدي برغر من 12 قطعة لحم يجسد جشع المليارديرات، حيث طلب برغر ضخما مكدسا بـ12 قطعة من اللحم والجبن، وأشار إلى أنه شيء فائض عن الحاجة تماما، لا يمكن لأي شخص طبيعي أن يأكله كله أو يستمتع به حقا، بل إنه يسبب الأذى وينتهي به المطاف في الهدر.
وطبق هذه الفكرة مباشرة على المليارديرات؛ فكما أنه لا أحد يحتاج أو يستطيع الاستفادة من برغر بـ12 قطعة لحم، فلا يوجد إنسان على وجه الأرض يحتاج إلى تكديس 100 مليار دولار، هذا الحجم الخيالي من الثروة يصبح بلا فائدة حقيقية لصاحبه ويتحول إلى مجرد اكتناز وجشع.
حتى المعلق المحافظ مايكل نولز اعترف بأن ذلك "ذكي جدا" ويستثمر حنين جيل الألفية.

أما لولا فكان التحول عنده جذريا، إذ أطلقت حملته على المقاطع القصيرة اسم "الصواريخ الصغيرة"، وكان يصور كل صباح ثلاثة مقاطع سيلفي قصيرة صُمّمت للانتشار وإطلاق النشاط الرقمي لذلك اليوم.
وطالب أندريه جانونيس، مهندس التعبئة الإلكترونية في معسكر لولا بالبرازيل، بمقاطع أبسط وأقل تلميعا تُظهر لولا وهو يشرب القهوة ويزور البيوت ويتحدث مع الناس العاديين.
ونشر لولا مقاطع لتمارينه الرياضية وهو يركض بين أنصاره، ليرد على التشكيك في قدرته وهو على أعتاب الحادية والثمانين.
المرشح أمام الكاميرا كما هو خلفها
يقول المخرج أنتوني ديميري، الذي عمل على مقاطع ممداني، إن جزءا من شعبيته يعود إلى ثبات شخصيته أمام الكاميرا وخلفها. وكان ممداني يشارك بنفسه في توليد أفكار المقاطع، ويضيف نكاتا وأفكارا عفوية أثناء التصوير.
وروى ديميري أن أشخاصا انضموا إلى الحملة وقالوا إن ما جذبهم هو المقاطع، وإنهم لم يروا أحدا مثله من قبل.
تقول الخبيرة الرقمية برانجال جين إن حضور ممداني يهدم البرج العاجي الذي يتحصن فيه كثير من السياسيين، فهو يلتقي الناس بابتسامة ويعانقهم ويخاطبهم كأنهم أقرانه.
وفي المقابل، قيّد كومو -حاكم نيويورك السابق- ظهوره الإعلامي وأبقى الناخبين على مسافة، وكان أحيانا يجول في الأحياء فوق شاحنة حملته.
وفي البرازيل لاحظ المؤرخ بيدرو باغلياريني أن لولا صار في الجولة الثانية أكثر تحررا في تواصله السياسي مع الناخبين.
مخاطبة كل جماعة بلغتها
شرح ممداني نظام التصويت التفضيلي في مقطع بالهندية، مع إحالات مرحة إلى ثقافة جنوب آسيا الشعبية. وأنتجت حملته مقاطع بالإسبانية والعربية والأردية. والطريف أن الحملة نشرت أيضا كواليس تعلّمه لنصوصه بالإسبانية، فأضاف ذلك بُعدا من الصدق والجهد تفاعل معه الجمهور.
ولم يتوقف الأمر عند المنصات، إذ يروي محمد الحربي، وهو من فريق الحملة، أن تحية بسيطة مثل "السلام عليكم" كانت تفتح باب الحوار فورا، لأنها تُشعر الشخص بأن من أمامه يعرف شيئا عنه.
وفي البرازيل وظف أنصار لولا رمزا ثقافيا جامعا، فقبل أسبوع من الاقتراع طُلب من "الجنود الرقميين" نشر صورهم وهم يرسمون حرف "L" بأصابعهم مرتدين القميص الأصفر للمنتخب البرازيلي، وهو رمز وطني كان اليمين قد احتكره سنوات.
الرسل الموثوق بهم
أسَّس صناع محتوى داعمون لممداني تحالفا باسم "Creators 4 Zohran"، وقامت العلاقة معهم على الاحترام والمصداقية، إذ دعتهم الحملة إلى فعالياتها دون أن تفرض عليهم نقاط حديث أو محتوى معينا، وتركت لهم حرية الإبداع بأسلوبهم وبما يناسب جمهورهم.
ووُظف كل منهم في مجال تخصصه، فشارك طبيب مؤثر مثلا في لقاء عن الرعاية الصحية. وتقول الحملة إن المحتوى الذي أنتجه المؤثرون حصد أكثر من 1.4 مليار مشاهدة.
وذهب عبدول السيد أبعد من ذلك، حيث سار في وسط ديترويت -أكبر مدن ولاية ميشيغان– برفقة مؤثرين، وحضر لقاء خاصا مع صناع محتوى بينهم حسن بيكر.
ويوم الاقتراع أجرى ثلاث مقابلات مع صناع محتوى ثم أجرى ثلاثا أخرى مع مؤسسات إخبارية تقليدية، وترتيب المقابلات نفسه يكشف أولويات حملته.
وفي البرازيل لم يكن جنرال المعركة الرقمية موظفا في الحملة، بل نائبا مؤثرا هو أندريه جانونيس. ومن اللافت أن حملة لولا الرسمية لم تُنشئ قناة "جيش لولا" ولم تُدِرها، مع أنها كانت المحرك الأساسي للتحول.
التواصل الرقمي المباشر
أنشأت حملة ممداني قناة بث على إنستغرام لجمهورها الأكثر تفاعلا، فبلغ أعضاؤها 66 ألفا خلال التمهيدية، وتجاوزوا لاحقا 180 ألفا. وانتقل النقاش إلى مجموعات الدردشة الخاصة، كمجموعات أبناء الجيل الثاني من جنوب آسيا، حيث دارت المحادثات التي دفعت الناس إلى التصويت.
وفي البرازيل كانت القناة المغلقة هي المعركة كلها، إذ تذكر نيويورك تايمز في تحليل بعنوان "الجيش الرقمي الذي قاد لولا إلى الفوز في البرازيل"، أن جانونيس أعاد تسمية قناة على واتساب كان يتابعها نحو 53 ألف شخص، وجعلها "جيش لولا" صباح اليوم التالي للجولة الأولى.
وخلال خمسة أيام ارتفع عدد المشتركين فها إلى 3.4 ملايين، وتجاوزت 10 ملايين قبل الاقتراع بيومين، لتصبح ثاني أكبر قناة على واتساب في البلاد، متقدمة على قناة نتفليكس البرازيل، ثم بلغت قرابة 11 مليونا يوم الاقتراع.
وكانت المهام اليومية بسيطة؛ تجنيد ثلاثة أصدقاء، ومشاركة مقاطع الحملة، والترويج للوسوم. وطُلب من كل عضو أن يضم عضوا جديدا واحدا على الأقل.

من الإعجاب إلى الفعل
لم يكتف فريق ممداني بجمع المشاهدات، بل بنى جسرا يحوّل الانتباه إلى فعل، كانت المنشورات تدعو المتابع إلى التعليق بكلمة مفتاحية، فيتلقى تلقائيا رسالة خاصة فيها رابط أو خطوة تالية.
وإذا ذكر أحدهم الحملة في قصصه، تلقى رسالة شكر ومتابعة. وكان يكفيه أن يكتب بريده الإلكتروني في المحادثة ليُضاف تلقائيا إلى قاعدة بيانات الحملة.
وتقول الحملة إنها أرسلت عبر أداة ماني شات (ManyChat) أكثر من 144 ألف رسالة آلية على إنستغرام بين مايو/أيار ونوفمبر/تشرين الثاني 2025. ولّدت هذه الرسائل أكثر من 45 ألف نقرة، بتكلفة لم تتجاوز ثلاثة سنتات للنقرة الواحدة. وكانت الحسابات التي يتجاوز متابعوها 25 ألفا تُحوَّل تلقائيا إلى مسار خاص بالمؤثرين.
وحين بلغت الحملة سقف الإنفاق القانوني (8 ملايين دولار)، وكانت أول حملة تبلغه في ذلك السباق، نشر ممداني مقطعا يطلب من الناس التوقف عن التبرع، والتطوع لطرق الأبواب بدلا من ذلك.
من النضال بالنقرة إلى طرق الأبواب
أعلنت حملة ممداني أن أكثر من 104 آلاف متطوع، وهو أكبر عدد في تاريخ انتخابات البلدية في نيويورك، طرقوا أكثر من ثلاثة ملايين باب، وأجروا نحو 4.5 ملايين اتصال هاتفي.
وزارت الحملة كل حي مرة أسبوعيا على الأقل، بما فيها أحياء لم تطرقها حملات سابقة قط. وتبنت في التنظيم نموذج المنظم الأمريكي مارشال غانز، القائم على السرد المشترك وتحويل المتطوعين الجدد سريعا إلى قادة فرق.
ويرجّح سوروكا أن تجنيد المتطوعين عبر الإنترنت كان جزءا جوهريا من هذا النجاح، وأن هناك 100 ألف متطوع ما كانوا ليتوفروا بدونه.
ويرى أن الحملة تجاوزت بذلك ظاهرة النضال بالنقرة، أي الاكتفاء بالتأييد الرقمي عن الفعل الحقيقي.
وكان لدى عبدول السيد شبكة من 12 ألف متطوع، وقال إنه زار 110 مدن ونظّم مئات الفعاليات خلال حملته الأولى.
ومن اللافت أن أول مقطع سيلفي صوره لولا بعد هزيمة الجولة الأولى كان دعوته أنصاره إلى النزول إلى الميدان قائلا: "هيا يا رفاق، لننزل إلى الشوارع ونتحدث مع الناس".
وانتهت الحملة بحشد ضخم في جادة باوليستا في ساو باولو، حيث هتف جانونيس: "ارفعوا أيديكم يا جنود جيش لولا!".
التجريب المستمر
تلخّص زوتراو، الناشطة في حملة ممداني، فلسفة الحملة في: "جرب، وكرر، وافعل ما ينجح". وأظهر رصد مكتبة إعلانات ميتا أن اللجنة الداعمة لممداني جربت صيغا إعلانية أكثر بكثير مما جربته لجنة كومو.
وتنصح زوتراو بعدم إهمال أي منصة، مؤكدة أن فيسبوك لم يمت، فالحملة لم تجعله أولوية، لكنها نشرت عليه بانتظام، ووجدت عليه تفاعلا هائلا وجمهورا متحمسا.
تحويل مال الخصم وهجماته إلى رصيد
قلب عبدول السيد التفوق المالي لمنافِسته، هيلي ستيفنز، إلى عبء عليها، فقدّم المعركة على أنها المال في مواجهة الحقيقة والعدالة.
ويرى تحليل لشبكة سي إن إن، أن إنفاق لجنة "أيباك" غير المسبوق ربما أضر بمرشحتها بدل أن يخدمها، وبالمنطق نفسه قدّم ممداني خصمه على أنه مرشح المليارديرات.
في البرازيل، حين علقت المحكمة الانتخابية قناة "جيش لولا" مؤقتا، تحول الأمر إلى قضية رقابة حشدت التعاطف، وبعد رفع التعليق أعلن جانونيس أن القناة كسبت مليون مشترك جديد.

المعادلة لمن يحسن قراءتها
تكشف التجارب الثلاث عن معادلة متشابكة، تبدأ بالاستماع إلى الناس قبل مخاطبتهم، ثم رسالة واحدة ملموسة تُقدَّم بلغة الناس وثقافتهم اليومية، عبر رسل يثقون بهم، وعلى منصات يعيشون عليها فعلا، بعد ذلك تتحول هذه الرسالة إلى تنظيم ميداني يطرق الأبواب، ويتحول مال الخصم وهجماته إلى رصيد يهاجَم به.
وقد لخّص محمد الحربي وغابرييلا زوتراو تجربة حملة ممداني بأنه لم يكن وراء نجاحها حل سحري واحد، بل كانت قوة كل إستراتيجية في تكاملها مع الأخرى، وهو الدرس الذي تعلمه لولا في 21 يوما، وكاد يدفع رئاسة البرازيل ثمنا له.



















