أتلتيك بلباو ليس الوحيد.. أندية حول العالم تحدد من يحق له ارتداء قميصها

قبل أن يبحث أتلتيك بلباو في مستوى اللاعب أو سعره أو مدى ملاءمته لخطة المدرب، عليه أولا أن يجيب عن سؤال ألزم به نفسه منذ أكثر من قرن: هل يحق لهذا اللاعب ارتداء قميص الفريق؟
يختار النادي لاعبيه ممن وُلدوا في بلاد الباسك أو تلقوا تكوينهم الكروي في أحد أنديتها. وتشمل هذه الرقعة أقاليم بيسكاي وغيبوثكوا وألافا ونافارا في إسبانيا، إضافة إلى لابورد وسول ونافارا السفلى في الجانب الفرنسي.
قصص مقترحة
list of 2 itemsوبهذه القاعدة، حصر أتلتيك دائرة اختياراته في مساحة محدودة جغرافيا مقارنة ببقية أندية الدوري الإسباني، ثم بنى منظومة كاملة تتلاءم معها، تتصدرها أكاديمية "ليزاما" التي تمد الفريق الأول بجزء كبير من لاعبيه، إلى جانب متابعة المواهب المؤهلة في أندية المنطقة.
وتعود جذور السياسة إلى عام 1911، عندما أثارت مشاركة لاعبين أجانب مع أتلتيك اعتراضات خلال بطولة كأس إسبانيا. وتطورت القاعدة عبر العقود حتى استقرت على معيارين واضحين؛ الميلاد في بلاد الباسك أو التكوين الكروي داخلها.
وهذا التعريف يمنح الأهلية للاعبين من جنسيات مختلفة متى نشؤوا كرويا في المنطقة، لأن معيار أتلتيك يرتبط بعلاقة اللاعب ببيئته الكروية والجغرافية أكثر من ارتباطه بجواز سفر معين أو عرق بذاته.
اشتهر بلباو بهذه السياسة أكثر من أي ناد آخر ينافس في الصف الأول الأوروبي، لكنه لا يقف وحيدا في كرة القدم العالمية. فهناك أندية أخرى ضيقت على نفسها سوق اللاعبين طوعا، واختارت لكل منها معيارا خاصا؛ الجنسية في المكسيك والإكوادور، والتكوين الإقليمي في كتالونيا، والاعتماد على اللاعب المحلي في تجربة تركية استلهمت تجربة أتلتيك بلباو صراحة.
تشيفاس.. المكسيكي أولا
في غوادالاخارا، ثاني أكبر مدن المكسيك، يطبق نادي ديبورتيفو غوادالاخارا واحدة من أشهر سياسات اختيار اللاعبين في أميركا اللاتينية، وهي سياسة اشتهر بها النادي بالقدر نفسه الذي اشتهر به لقبه؛ "تشيفاس". وتعني الكلمة بالإسبانية "الماعز"، وقد بدأت لقبا أطلقته الصحافة المحلية على الفريق في أربعينيات القرن الماضي، قبل أن تتحول إلى الاسم الأكثر التصاقا به حتى طغت في التداول على اسمه الرسمي.
ضمت فرق غوادالاخارا في سنواتها الأولى لاعبين مكسيكيين وأوروبيين، قبل أن يتغير النهج مع دخول كرة القدم المكسيكية عصر الاحتراف في موسم 1943-1944. ففي وقت اتجهت فيه أندية عدة إلى تعزيز صفوفها بلاعبين أجانب، اختار غوادالاخارا الاعتماد على المكسيكيين وحدهم، في قرار أرادت به الإدارة تمييز الفريق وإبراز ثقتها في اللاعب المحلي. ومنذ ذلك الحين، تحولت القاعدة إلى جزء من هوية النادي وأسهمت في ترسيخ صورته بوصفه أحد أبرز الرموز الكروية الوطنية في المكسيك.

ويحدد نظام النادي اللاعب المؤهل بعبارة "المكسيكي بالميلاد". ويتسع هذا التعريف ليشمل من وُلد داخل المكسيك، وكذلك من وُلد خارجها لأب أو أُم يمنحهما القانون حق نقل الجنسية المكسيكية إليه منذ ولادته.
لهذا يستطيع "تشيفاس" التعاقد مع لاعب نشأ في الولايات المتحدة مثلا، طالما أنه يحمل الجنسية المكسيكية منذ ميلاده. وقد انضم إلى الفريق لاعبون وُلدوا شمال الحدود، من بينهم ريتشارد ليديزما المولود في ولاية أريزونا وإفرين ألفاريز المولود في لوس أنجلوس الأمريكية.
وكشفت صفقة سانتياغو أورمينيو عام 2022 تفصيلا آخر في هذه السياسة. فالمهاجم مولود في مكسيكو سيتي ويحمل الجنسيتين المكسيكية والبيروفية، واختار تمثيل بيرو دوليا، ومع ذلك استوفى شروط تشيفاس لأنه مكسيكي بالميلاد.
وتجعل هذه القاعدة سوق تشيفاس أوسع من سوق أتلتيك بلباو، إذ يستطيع النادي المكسيكي البحث عن لاعب مؤهل في أي دولة، فيما يرتبط اختيار أتلتيك بمنطقة جغرافية بعينها وبالمسار الذي تلقى فيه اللاعب تكوينه.
ناسيونال.. قائمة إكوادورية بالكامل
أما نادي "إل ناسيونال" في العاصمة كيتو، فيتبنى قاعدة أبسط وأكثر مباشرة، إذ يقتصر الفريق الأول على اللاعبين الإكوادوريين.
تأسس النادي عام 1964 وارتبط تاريخيا بالقوات المسلحة، ومنذ سنواته الأولى أصبحت صناعة فريق من أبناء البلاد جزءا أساسيا من مشروعه الرياضي، بالتوازي مع تطوير اللاعبين في قطاعاته السنية.
ومن هذه السياسة جاء لقب النادي الشهير (Puros Criollos)، ويمكن ترجمته إلى "الإكوادوريون الخالصون" أو "أبناء البلاد الخالصون". فكلمة (Criollos) لها جذور تاريخية واجتماعية في أمريكا اللاتينية، وتُستخدم هنا في معناها الكروي للدلالة على اللاعبين المحليين، في إشارة مباشرة إلى اعتماد نادي ناسيونال على الإكوادوريين وحدهم.

وحقق ناسيونال بهذه السياسة 13 لقبا للدوري الإكوادوري، وأصبح واحدا من أبرز أندية البلاد تاريخيا، كما أنتجت قطاعاته عددا كبيرا من اللاعبين الذين وصلوا إلى المنتخب الوطني.
وتختلف مساحة الاختيار هنا عن بلباو، إذ يستطيع ناسيونال استقطاب لاعب إكوادوري من أي مدينة أو مقاطعة، بينما يتحرك أتلتيك داخل حدود بلاد الباسك أو بين اللاعبين الذين تلقوا تكوينهم الكروي فيها.
أولوت.. أين تعلم اللاعب كرة القدم؟
داخل إسبانيا نفسها، يقدم نادي "يونيّو إسبورتيفا أولوت" تجربة تحاكي أتلتيك بلباو في عنصر أساسي ألا وهو محل التكوين الكروي.
ينتمي النادي إلى مدينة أولوت في إقليم كتالونيا، وينافس في المستوى الرابع في هرم مسابقات الكرة الإسبانية.
ويعتمد في اختيار لاعبيه على خريجي أكاديميته ومن تلقوا تكوينهم في أندية كتالونيا والمناطق التي يطلق عليها بالكتالونية (Països Catalans)، أي "البلدان الكتالونية"، وهو تعبير ثقافي ولغوي يشير إلى المناطق التي تنتشر فيها اللغة الكتالونية.
وبذلك يدخل تاريخ اللاعب في قطاعات الناشئين ضمن شروط ضمه. فمكان تعلمه كرة القدم وتدرجه في المراحل السنية يحدد دخوله في دائرة الاستقطاب من عدمه، وهي نقطة تقرب أولوت من المنطق الذي يعمل به أتلتيك بلباو.
ويضع النادي هذه السياسة ضمن مشروع يسميه "كرة القدم الاجتماعية المستدامة"، ويربط من خلاله الفريق الأول بقطاع الناشئين وشبكة الأندية المحلية، مع توجيه جانب من الإنفاق الرياضي إلى البيئة الكروية المحيطة به.
ألتين أوردو.. أتلتيك بلباو التركي
في مدينة إزمير التركية، تحول أتلتيك بلباو نفسه إلى مرجع معلن لمشروع نادي "ألتين أوردو".
بنى النادي خلال سنوات مشروعه الاحترافي منظومة تقوم على تطوير المواهب التركية وفتح الطريق أمام خريجي الأكاديمية إلى الفريق الأول، مع الامتناع عن التعاقد مع اللاعبين الأجانب رغم سماح لوائح المسابقات بذلك.
وكان سيد محمد أوزكان، الذي قاد المشروع لسنوات، واضحا في تحديد النموذج الذي يريد الوصول إليه، عندما تحدث عن طموحه إلى صناعة تجربة شبيهة بأتلتيك بلباو في تركيا.
وحصل ألتين أوردو على لاعبيه من مختلف أنحاء البلاد، ثم وضع الأكاديمية في قلب عملية تطويرهم، لذلك اتسعت قاعدته إلى كل لاعب تركي مؤهل، مقابل النطاق الإقليمي المحدد الذي يتحرك فيه النادي الباسكي.
وأثمرت الأكاديمية عددا من الأسماء التي انتقلت لاحقا إلى مستويات أعلى في أوروبا، وفي مقدمتها المدافع تشاغلار سويونجو والجناح جنكيز أوندير.
وتغير مسار الفريق الأول في صيف 2026، بعدما قرر النادي عدم المشاركة في دوري الدرجة الثانية التركي، وهو المستوى الثالث في منظومة المسابقات، ولم يستكمل إجراءات التسجيل للموسم الجديد. وأدى ذلك إلى هبوطه، بينما واصل النادي نشاطه في تكوين اللاعبين.
ولهذا أصبحت تجربة ألتين أوردو حاليا جزءا من تاريخ المشروع الاحترافي أكثر من كونها نموذجا قائما في دوري المحترفين، لكنها تظل أوضح حالة أعلن أصحابها صراحة اقتباس الفكرة من أتلتيك بلباو.
ريال سوسيداد.. سياسة باسكية استمرت حتى 1989
ولا يحتاج الباحث عن تجربة قريبة من أتلتيك إلى مغادرة بلاد الباسك.
ففي سان سيباستيان، اتبع ريال سوسيداد لعقود سياسة تعتمد بصورة أساسية على لاعبي أكاديميته وأبناء المنطقة، ووصل الفريق بهذه التركيبة إلى أفضل فتراته الرياضية.
وتوج سوسيداد بالدوري الإسباني موسمين متتاليين، (1980-1981) و(1981-1982)، بقائمة كان عمادها لاعبون من بلاد الباسك وخريجو أكاديمية "زوبييتا". واستمر النادي على هذا النهج حتى صيف 1989، عندما قررت الإدارة فتح باب التعاقد أمام اللاعبين الأجانب.
وكان المهاجم الأيرلندي جون ألدريدج، القادم من ليفربول، أول تعاقد أجنبي بارز في الحقبة الحديثة للنادي. وخاض مباراته الأولى أمام أوساسونا في سبتمبر/أيلول من العام نفسه، ثم سجل 40 هدفا خلال 75 مباراة بقميص الفريق.

ومنذ ذلك التحول، حافظ ريال سوسيداد على حضور قوي لأكاديمية "زوبييتا" في تشكيلته، واتسعت في الوقت نفسه خياراته في سوق الانتقالات لتشمل لاعبين من مختلف البلدان.
وتمنح تجربته المقارنة بعدا تاريخيا مهما، لأن ناديين من البيئة الباسكية نفسها سارا زمنا في اتجاه متقارب، ثم اختار كل منهما طريقا مختلفا في بناء قائمته واختيار لاعبيه بعد ذلك.
الحق في ارتداء القميص
تبدأ معظم الأندية عملها في سوق الانتقالات بتحديد احتياجات المدرب، والمراكز التي تتطلب التعزيز، والميزانية المخصصة للتعاقدات. أما هذه الأندية، فقد أضافت إلى تلك الحسابات شروطا اختارت الالتزام بها، حتى أصبحت جزءا من هويتها الرياضية وطريقتها في بناء الفريق.
في بلباو، يرسم الميلاد أو التكوين داخل بلاد الباسك حدود دائرة الاختيار. وفي غوادالاخارا، تمنح الجنسية المكسيكية بالميلاد اللاعب أهلية ارتداء قميص تشيفاس، فيما يقصر إل ناسيونال قائمته على الإكوادوريين، ويربط أولوت اختياراته بمسار التكوين الكروي داخل المجال الكتالوني.
وسلك ألتين أوردو لسنوات مسارا تركيا يقوم على اللاعب المحلي وخريجي الأكاديمية، بينما يقدم ريال سوسيداد نموذجا تاريخيا آخر من بلاد الباسك، بعدما التزم لعقود بسياسة مقيدة قبل أن يحرر نفسه عام 1989.
وسط هذه التجارب، يظل أتلتيك بلباو النموذج الأطول بقاء والأكثر ثباتا على أعلى مستوى تنافسي. تعاقبت عليه أجيال من اللاعبين والمدربين والإدارات، وتغيرت قواعد سوق الانتقالات واتسع نطاقها، وبقي ثابتا على مبدئه.