واحدة من أعرق الحواضر الفلسطينية وأبرزها، تقع في قلب الضفة الغربية داخل وادٍ يمتد بين جبلي عيبال وجرزيم. تعود جذورها إلى الكنعانيين قبل أكثر من أربعة آلاف عام، حين عُرفت باسم "شكيم"، قبل أن يعيد الرومان تشييدها باسم "نيابوليس"، أي المدينة الجديدة.
وتُعرف نابلس بـ"عاصمة فلسطين الاقتصادية" لما تتمتع به من ثقل تجاري وصناعي، فيما تحتفظ بلَدتها القديمة بطابعها التاريخي، إذ تضم ثمانية أحياء تزخر بالقصور والمساجد والحمامات التركية والأسواق التقليدية، إلى جانب معالم دينية وحضارية بارزة، من بينها بئر يعقوب وجبل جرزيم.
الموقع الجغرافي
تقع نابلس في شمال الضفة الغربية، في قلب فلسطين، وتتوسط إقليم المرتفعات الجبلية. وتمتد المدينة في وادٍ مستطيل من الشرق إلى الغرب، بين جبل عيبال شمالًا وجبل جرزيم جنوبًا.
وترتفع نابلس في المتوسط نحو 500 إلى 550 مترًا عن سطح البحر, فيما تصل بعض مرتفعاتها إلى نحو 800 متر. وتبعد نحو 60 إلى 69 كيلومترًا شمال القدس، ونحو 42 كيلومترًا شرق البحر الأبيض المتوسط، وقرابة 114 كيلومترًا غرب العاصمة الأردنية عمّان.
وتنتشر في محيطها وداخلها عيون مياه طبيعية، من بينها عين القريون وعين العسل.

المساحة
تبلغ مساحة محافظة نابلس نحو 605 كيلومترات مربعة، وتتوزع أراضيها بين المناطق السكنية والعمرانية، والشوارع والطرق، والمناطق الخضراء والحدائق، إلى جانب الأراضي المرتبطة بالقرى والتجمعات التابعة للمحافظة.
وتبلغ مساحة مدينة نابلس نحو 29 كيلومترًا مربعًا ضمن حدودها البلدية، فيما تصل مساحة أراضيها مع التقسيمات والقرى التابعة لها إلى نحو 85 كيلومترًا مربعًا.
التسمية والألقاب
عُرفت نابلس تاريخيًا باسم شكيم، وهو الاسم الكنعاني للمدينة القديمة في موقع تل بلاطة، ويُقال إن معناه "المكان المرتفع" أو النجد. وفي العهد الروماني حملت اسم نيابوليس (Neapolis)، وتعني المدينة الجديدة، قبل أن يتحور الاسم لاحقًا بعد الفتح الإسلامي إلى نابلس.
وتتداول بعض الروايات تفسيرات أخرى لاسم المدينة، منها اشتقاقه من الآرامية نابلوس بمعنى مدينة المياه، إلى جانب رواية شعبية تربط الاسم بقصة أفعى كبيرة كانت تسمى لُس، وقيل إن نابها عُلّق على باب المدينة، فأصبح الاسم ناب لُس.
وعُرفت نابلس بعدد من الألقاب، أبرزها دمشق الصغرى للتشابه بينها وبين دمشق في المعالم والمناخ والمياه والينابيع والعادات. كما تُعرف بألقاب "جبل النار" و"عش العلماء" و"ملكة فلسطين"، في إشارة إلى مكانتها النضالية والعلمية والتاريخية.

الاقتصاد
تُعدّ نابلس العاصمة الاقتصادية والمركز التجاري والصناعي الرئيس في شمال فلسطين والضفة الغربية، ويتميز اقتصادها بتنوعه بين الصناعات التقليدية والتراثية، والأنشطة التجارية والمالية، والقطاعات الخدمية والزراعية.
وتبرز الصناعات التقليدية بوصفها أحد المكونات الأساسية للاقتصاد النابلسي، وفي مقدمتها صناعة الصابون النابلسي التي يعود تاريخها إلى القرن العاشر الميلادي، وتعتمد على زيت الزيتون والماء والصودا الكاوية.
كما تشتهر المدينة بصناعة الكنافة النابلسية وغيرها من الحلويات والمنتجات الغذائية، إلى جانب الجبن النابلسي والطحينة والحلاوة والقزحة. وتشمل الصناعات الأخرى الحجر والبلاط، ودباغة الجلود، والنسيج، والأثاث، والمصنوعات المعدنية والكيماوية.
ويشكل القطاع التجاري والمالي محورًا مهمًا في اقتصاد المدينة؛ إذ تحتضن نابلس مقر سوق فلسطين للأوراق المالية (البورصة)، إلى جانب المقرات الإدارية لعدد من الشركات الفلسطينية الكبرى.
كما تؤدي غرفة تجارة نابلس دورًا في تنظيم النشاط التجاري، فيما تضم المدينة أسواقًا تاريخية ومتخصصة، من بينها خان التجار والخان الجديد وسوق الذهب والحدادين، إضافة إلى سوق الخضار المركزي وسوق لتبادل المواشي.

وترتبط الأنشطة الاقتصادية في نابلس كذلك بالقطاع الزراعي، ولا سيما زراعة الزيتون التي تشكل قاعدة مهمة لصناعة الصابون، إلى جانب زراعة الرمان واللوز والخوخ والمشمش والدراق، والنباتات الطبية والأعشاب الجبلية مثل الزعتر والبابونج والميرمية. كما تُزرع الخضراوات والحمضيات المروية in منطقة الغور المجاورة.
وفي قطاع الخدمات، أسهم وجود جامعة النجاح الوطنية بحرميها القديم والجديد في تنشيط قطاعات العقارات والمواصلات والمطاعم والخدمات المرتبطة بالطلبة، فيما يدعم النشاط السياحي الداخلي الاستثمار في العقارات والمطاعم والمنتزهات والحمامات التركية والأسواق القديمة.
التاريخ
تعود جذور نابلس إلى أواسط الألف الثالث قبل الميلاد، حين أسس الكنعانيون الحويون مدينة شكيم في موقع تل بلاطة، قبل أكثر من أربعة آلاف عام.
وتعرضت المدينة للتدمير على يد الفراعنة المصريين نحو عام 1550 قبل الميلاد أثناء مطاردة الهكسوس، قبل أن يعاد بناؤها. وتعاقبت على شكيم قوى إقليمية عدة، إذ خضعت للآشوريين عام 722 ق.م، ثم للبابليين والفرس، وصولًا إلى الحكم اليوناني في عهد الإسكندر المقدوني.
وفي العصر الروماني، دخلت شكيم تحت السيطرة الرومانية عام 63 ق.م. وبين عامي 67 و72م هُدمت المدينة القديمة، وشُيدت إلى الغرب منها مدينة نيابوليس بين جبلي عيبال وجرزيم، ومنها تطور اسم نابلس لاحقًا. وفي القرن الرابع الميلادي اعتنقت المدينة المسيحية، وشُيد فيها عدد من الكنائس، من بينها كنيسة بئر يعقوب.

فتح المسلمون نابلس عام 636م بقيادة عمرو بن العاص في عهد الخلافة الراشدة، وتعاقبت عليها خلال القرون التالية دول الأمويين والعباسيين والفاطميين والسلاجقة. وفي عام 1099م سقطت المدينة بيد الصليبيين، قبل أن يستعيدها صلاح الدين الأيوبي عقب معركة حطين عام 1187م. وشهدت نابلس خلال العهد المملوكي ازدهارًا عمرانيًا انعكس في عدد من معالمها التاريخية.
ومع قيام الحكم العثماني عام 1516م، أصبحت نابلس عاصمة سنجق تابعًا لولاية الشام، وشهدت تطورًا إداريًا واقتصاديًا، من أبرز مظاهره تأسيس بلدية نابلس عام 1869م.
وفي التاريخ الحديث، خضعت نابلس للانتداب البريطاني منذ 1918م، وشهدت عام 1927م زلزالًا كبيرًا ألحق دمارًا بأجزاء واسعة منها. وبعد النكبة، أُتبعت المدينة بالأردن عام 1950م، ثم وقعت تحت الاحتلال الإسرائيلي عام 1967م.
وفي عام 1995م أصبحت نابلس إحدى المدن الخاضعة للسلطة الوطنية الفلسطينية في إطار اتفاق أوسلو، لتدخل مرحلة جديدة من تاريخها السياسي والإداري.
معالم نابلس
تضم نابلس، ولا سيما بلدتها القديمة المعروفة باسم القصبة، مجموعة واسعة من المعالم التاريخية والدينية والعمرانية التي تعكس تعاقب الحضارات عليها. وتمتد البلدة القديمة على نحو 0.40 كيلومتر مربع، وتتميز بأزقتها الضيقة المسقوفة، وقصورها التاريخية، ومساجدها، وخاناتها، وأسواقها، وحماماتها التقليدية.
ويبرز في قلب البلدة القديمة باب الساحة (ساحة المنارة) بوصفه أحد أهم ميادينها، إلى جانب برج ساعة المنارة الذي شُيد عام 1901م، ويُعد من أبرز رموز نابلس المعمارية.

ومن أهم المعالم الدينية الجامع الصلاحي الكبير، الذي يعود أصله إلى بازيليكا رومانية تحولت إلى كنيسة في العهد الصليبي، ثم إلى مسجد بعد الفتح الصلاحي عام 1187م.
كما تضم البلدة جامع الساطون، الذي يعود تأسيسه إلى القرن الأول الهجري، ويُعد أول مسجد أُسس في المدينة بعد الفتح الإسلامي، وجامع الخضراء in حارة الياسمينة، الذي يعود بناؤه الحالي إلى العصر المملوكي.
وتحتفظ نابلس بعدد من القصور والسرايا التاريخية، من أبرزها قصر طوقان وقصر النمر وقصر عبد الهادي، إلى جانب سرايا الحكومة العثمانية في حارة القريون، والتي كانت مقرًا للإدارات والدوائر الحكومية العثمانية.
كما تشكل الأسواق والخانات جزءًا أساسيًا من المشهد التاريخي للمدينة، ومن أبرزها خان التجار (السوق القديم)، والخان الجديد، إضافة إلى الأسواق المتخصصة مثل سوق الذهب والحدادة.

وتشتهر البلدة القديمة كذلك بالحمامات التركية والمصابن التقليدية، ومنها حمام السُمرة وحمام الجديدة وحمام الشفاء وحمام الخليل، إلى جانب المصابن التاريخية التي ارتبطت بصناعة الصابون النابلسي، مثل صبانة طوقان وصبانة النابلسي.
وتكمل عيون المياه والسبل الحجرية المشهد التراثي للمدينة، ومن أبرزها عين القريون وعين العسل، وسبيل سليمان آغا طوقان وسبيل الران.

![Temple area, Mosque of Omar [i.e., Dome of the Rock], etc. Details of the tiles on the mosque, north side. 1900, Jerusalem (Photo by: Sepia Times/Universal Images Group via Getty Images)](/wp-content/uploads/2023/10/01-1697526609.jpg?resize=570%2C380&quality=80)














