مهدي حاشي

مهدي حاشي

مهدي حاشي

 

الاهتمام البريطاني
العامل التركي
قصة الثروات
سمات المرحلة القادمة

تشهد الساحة الصومالية تطورات سياسية جديدة ومتلاحقة تؤذن بوجود اهتمام دولي بالأزمة الصومالية. ويتجلى هذا الاهتمام بالدخول التركي على خط الأزمة ومؤتمر لندن الذي شاركت فيه أربعون دولة بالإضافة إلى التطورات العسكرية على الأرض. فهل نحن أمام منعطف جديد يأخذ هذا البلد إلى الاستقرار أم أن الأمر لا يعدو أن يكون تحريكا للأزمة باتجاه أخر لضمان استمرارها وإدخال البلاد في دوامة جديدة؟ 

الاهتمام البريطاني
أن تتداعى أربعون دولة في العاصمة البريطانية لندن لمناقشة المعضلة الصومالية لهو أمر جديد في بلد عانى من الإهمال والتجاهل لأكثر من عشرين عاما، لكن ما الذي جعل بريطانيا التي عرفت بتحاشيها الاقتراب من الأزمة الصومالية الملتهبة رغم ماضيها الاستعماري لشمال البلد تخوض في غمار هذه المشكلة رغم فشل محاولات ومؤتمرات سابقة؟

التحرك البريطاني لم يكن وليد اليوم وليس قرارا فرديا اتخذته فجأة، وإنما هناك توافق بين اللاعبين الدوليين والإقليميين لقلب المعادلة القائمة منذ سنوات استعدادا لاستحقاقات ما بعد الفترة الانتقالية

منذ أن أعلنت بريطانيا عزمها استضافة المؤتمر حول الصومال قامت الحكومة البريطانية بعدد من الخطوات بشكل مباشر، من أهمها الزيارة التي قام بها وزير الخارجية وليام هيغ إلى العاصمة الصومالية مقديشو، حيث التقى بالزعماء الصوماليين ومن بينهم عمدة مقديشو محمود ترسن البريطاني الجنسية.

وكانت الزيارة إيذانا باهتمام بريطاني في القضية الصومالية بعد أن اكتفت الدول الأوروبية لسنين بسماع التقارير التي تعدها المستعمرة السابقة إيطاليا. وقد شهدت العاصمة البريطانية لقاءات مكثفة جمعت المسؤولين في الحكومة البريطانية مع قيادات الجالية الصومالية بهدف الاستكشاف وإعدادهم لدور بريطاني محتمل في بلد الأصل.

وكان من بين الأسباب التي روّج لها عمدة مقديشو أنه أقنع هيغ بأن من الضرورة بمكان أن تقوم بريطانيا بالمساهمة في استقرار الصومال قبل أن تصل إليها النيران باعتبار أن العشرات من البريطانيين يقاتلون إلى جانب حركة الشباب. كما أن المملكة المتحدة تؤوي عشرات آلاف من الصوماليين، لذا فإن عليها القيام بعمل استباقي للدفاع عن نفسها من خلال تمكين حكومة قوية في الصومال.

وهذا الأمر رغم تشدق العديد من المسؤولين الصوماليين إلا أنه ليس سببا جوهريا برأيي في التعاطي البريطاني. فمن خلال المتابعة لما يجري على الأرض من تغيرات كبيرة يدرك المرء أن التحرك البريطاني لم يكن وليد اليوم وليس قرارا فرديا اتخذته فجأة، وإنما هناك توافق بين اللاعبين الدوليين والإقليميين لقلب المعادلة القائمة منذ سنوات استعدادا لاستحقاقات ما بعد أغسطس/آب القادم، حيث من المفترض أن تنتهي الفترة الانتقالية  للنظام الصومالي بالإضافة إلى قطع الطريق عن تأثيرات تركيا الصاعدة في الساحة الصومالية.

وتأتي التطورات المتلاحقة على الأرض ترجمة لهذا التوافق، حيث اجتاحت القوات الكينية الجنوب الصومالي كما قامت القوات الإثيوبية بنفس الأمر في المناطق الغربية والوسطى معقل حركة الشباب.

وحسب رأي المراقبين فإن كينيا التي عرفت بتحفظها عن الخوض في المستنقع الصومالي لم تقم بهذه الخطوة لمنع الشباب من اختطاف السياح على أراضيها كما قالت فحسب، بل هناك أسباب أخرى خفية لم تعلن عنها، ومن أهمها في رأيي ما يصب في خانة هذا التوافق المذكور أعلاه لتغيير قواعد اللعبة بتمويل ومباركة غربية، أضف إلى ذلك أن كينيا سوف تمر بها خطوط الأنابيب النفطية التي ستنقل الذهب الأسود من دولة جنوب السودان الفتية إلى مدينة لامو الكينية القريبة من السواحل الصومالية.

العامل التركي
لقد شكل دخول تركيا على الساحة الصومالية بقوة فتحا للشعب الصومالي الذي عانى من الإهمال فترة من الزمن، كما أحدث مفاجأة لدى اللاعبين الإقليميين والدوليين والفرقاء الصوماليين على حد سواء. فتركيا الصاعدة سياسيا واقتصاديا وضعت كل ثقلها في محاولة لانتشال الصومال من كبوته وكانت مقاربتها مختلفة عن كل المبادرات التي عرفها الصومال.

وقد ترجمت عمليا على الأرض رؤيتها المتمثلة في المزاوجة بين العمل الإغاثي الحقيقي والنهوض بالبنية التحية في سابقة هي الأولى من نوعها في الصومال، حيث نشطت جمعياتها الخيرية في  مخيمات اللاجئين وجلبت آلاف الأطنان من المساعدات.

كما أرسلت عشرات الأطباء الذين لم يقتصر عملهم على العاصمة بل غطوا معظم المناطق الصومالية بما فيها الولايات المستقرة مثل بونتلاند وأرض الصومال، مما أكسبهم احتراما لدى عامة الناس  خاصة وأن المساعدات التركية تمت بإشراف وتنفيذ مؤسسات تركية محترمة بعيدا عن الفساد المستشري في السماسرة الصوماليين والهيئات المسترزقة.

لكن ما ميز المبادرة التركية أنها لم تكن مجرد مساعدات غذائية وطبية رغم أهميتهما، إنما كانت هناك رغبة في تشييد البنية التحتية المدمرة منذ عقود والتي لم يفكر أحد فيها، فبدأت ببناء المستشفيات والمدارس ووعدت بتنفيذ مشاريع عملاقة من شأنها أن تعيد الصومال إلى حظيرة العالم المتمدن.

ثم أتبعت هذا كله ببدء تأهيل كادر علمي، حيث فتحت الجامعات التركية أبوابها للطلاب الصوماليين الذين حصّل المئات منهم منحا جامعية على حساب تركيا، في محاولة منها لإيجاد جيل جديد يحمل الثقافة التركية ويساهم في بناء مستقبل الصومال.

ولم تقف عند هذا الحد، بل قامت شركة الطيران التركية بربط الصومال بالعالم لتكون أول شركة عالمية تهبط في مطار مقديشو المهجور لتنهي بذلك الخرافة السائدة المتمثلة بالدولة الفاشلة الأكثر خطورة على مستوى العالم والتي يتحاشى الجميع الاقتراب منها.

وكان رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان أرفع مسؤول تطأ قدماه أرض الصومال منذ انزلاق هذا البلد إلى هاوية الفوضى قبل عقدين. وسبق لتركيا أن عقدت مؤتمرا في إسطنبول في 2010 والذي دعا لأول مرة قطاعات من المجتمع لم تدع قبلا في المؤتمرات السياسية وعلى رأسهم رجال الأعمال.

يبدوا أن تركيا عازمة على مواصلة دعمها للصومال بغية الوصول به إلى بر الأمان لما يصب في مصلحة كلا البلدين بغض النظر عن الموقف الدولي الذي يحاول أن يبقي الصومال رهنا لأمزجة الدول الإقليمية

لكن الاهتمام التركي فاجأ المجتمع الدولي والساسة الصوماليين، لأن الزعماء المحليين لم يروا من قبل مثل هذا النوع من الطرح الجريء المنصب على معالجة الأزمة من جذورها، لأنهم تعودوا على مشاريع شخصية أو فئوية يجنون من ورائها الملايين في الوقت الذي أحس اللاعبون الدوليون والإقليميون بأن تركيا سوف تستحوذ على هذه البلد الإستراتيجي والذي يملك ثروات هائلة غير مستغلة.

لذا فإن العالم بدأ يهتم بالشأن الصومالي ليس حبا له وإنما غيرة من تركيا الصاعدة أو خوفا من أن تستأثر أنقرة به وبثرواته بعد الاستقرار، حيث شهدنا زيارات لمسؤولين لم يسبق أن فكروا بهذا البلد من قبل.

ويبدو أن تركيا عازمة على مواصلة دعمها للصومال بغية الوصول به إلى بر الأمان لما يصبّ في مصلحة كلا البلدين بغض النظر عن الموقف الدولي الذي يحاول أن يبقي الصومال رهنا لأمزجة الدول الإقليمية، وقد أعلنت عن مؤتمر جديد يعقد على أراضيها. وتستند تركيا في حماسها إلى الدعم والترحيب الذي تتلقاه من الجمهور الصومالي الذي ملّ من الفوضى.

ولهذا فإن مراقبين صوماليين يرون أن التحركات الداخلية (الاجتياح الإثيوبي والكيني) والخارجية (مؤتمر لندن) يهدفان إلى قطع الطريق على التحركات التركية قبل أن يتمكن العثمانيون الجدد من تثبيت أقدامهم على الأرض.

قصة الثروات
قد يستغرب المرء من أن في هذا البلد ثروات يسيل لها لعاب الطامعين، إلا أن الدراسات الجيولوجية تشير إلى وجود ثروات كبيرة في الصومال وقد رفضت حكومة سياد بري إبرام اتفاقات مع شركات غربية بسبب رغبة تلك الشركات في أخذ حصة الأسد من النفط الذي سيتم التنقيب عنه. وهناك اعتقاد سائد لدى الصوماليين أن الشركات الأميركية تعرف ما تحتويه الصومال وبالتالي فإن إدامة الاحتراب والفوضى كانت أمرا مطلوبا أميركيا لمنع الدول الأخرى من الاقتراب من هذا الاحتياط.

وقد بدأت بالفعل شركة كندية التنقيب عن النفط في ولاية بونتلاند، حيث تحدث المسؤولون في هذه الولاية عن قرب استخراج النفط بالقرب من بوصاصو دون أن يكون لأية حكومة مركزية سلطة، مما يثير قلقا حول توزيع العائدات في بلد أصبحت فيه لكل محافظة إدارة خاصة لا تعدو أن تكون تقنينا للدور العشائري.

وهذه السابقة -رغم أن لا أحد ضد التنقيب بحد ذاته- إلا أنها تحمل مخاطر الانفراد بالبت في قضايا مصيرية مثل التنقيب عن النفط، وقد يكون هذا التكريس مقدمة لسياسة التعامل مع الأقاليم التي أصبحت تتوالد في الساحة الصومالية في الآونة الأخيرة.

وفي هذا السياق يمكن قراءة إصرار الدول المؤثرة في القرار الصومالي على تجاوز المرحلة الانتقالية لكي يصار إلى نظام دائم يمكن عقد اتفاقات طويلة الأجل معه خاصة في مجال الثروات الطبيعية، علما أن الساسة الحاليين معروفون بقصر نظرهم في مآلات ما يقدمون عليه مما يثير مخاوف حقيقية من أن يتم بيع البلاد بثمن بخس.

وهناك من المراقبين من يربط هذه التحركات كلها بقرب البلد من باب المندب مع احتمال نشوب حرب مع إيران وإغلاق مضيق هرمز وبالتالي هناك ضرورة لتأمين هذا الممر الإستراتيجي عن طريق السيطرة على الصومال، وهو قد يبدو بعيدا لكنه غير مستبعد.

وبعيدا عن كل تلك الاحتمالات فإن مما لا شك فيه أن ربيع الثورات العربية وما تبعه من فوز الإسلاميين في عدد من الدول يدفع الكثير إلى مراجعة حساباتهم ليدركوا أن سياسة إبقاء الصومال دولة فاشلة ومرتعا للتدخلات الإقليمية قد لا تكون مستساغة لدى القوى الصاعدة، وعلى رأسهم مصر التي من المؤمل أن تكون الصومال في صلب اهتماماتها في إطار علاقاتها الإفريقية باعتبارات لها علاقة بالمحافظة على مصالحها الإستراتيجية الحيوية.

سمات المرحلة القادمة
ونتيجة لكل تلك التفاعلات والتحركات، فإنه يمكن الحديث عن سمات المرحلة القادمة كما يلي:
أولا: إنهاء المرحلة الانتقالية في أغسطس/آب القادم، حيث أعلنت وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلنتون صراحة أن العالم لن يسمح باستمرارها، كما هددت كل من يقف في طريق هذا التحول.

ثمة مخاوف حقيقية من أن يوضع الصومال تحت الوصاية إذا فشلت خطة خريطة الطريق، خاصة بعد أن راجت ورقة منسوبة إلى إيطاليا مفادها أن إدارة البلاد ستؤول إلى الأمم المتحدة

ثانيا: التخلص من حركة الشباب التي يرى البعض أنها كانت ورقة مطلوبة لتبرير الاستيلاء على هذا البلد وحرق أوراق الإسلام السياسي في الصومال، خاصة بعد إعلان الحركة على الملأ انضمامها تحت لواء القاعدة حيث اجتاحت كينيا وإثيوبيا مناطق نفوذها دون أن يبكي عليها أحد في هذه المرة بسبب سياستها وتصرفاتها، على عكس ما حدث أيام المحاكم الإسلامية.

ثالثا: تشجيع الأقاليم المستقلة لخلق كيانات هزيلة يمكن السيطرة عليها وهو أمر يثير الاستغراب، حيث تمول مثلا سفارات دول أجنبية الإعلان عن أقاليم وولايات افتراضية لا وجود لأصحابها إلا في فنادق الدول المجاورة.

رابعا: زيادة القوات الإفريقية لتكون القوة الضاربة الوحيدة على الأرض مع حديث عن توسيع مهامها.

وهناك في الواقع مخاوف حقيقية من أن يوضع الصومال تحت الوصاية إذا فشلت خطة خريطة الطريق المزمع تنفيذها وأخفق الساسة الصوماليون في إنتاج نظام مقبول، خاصة بعد أن راجت ورقة منسوبة إلى إيطاليا -لم تثبت صحتها- وتم تداولها على نطاق واسع مفادها أن إدارة البلاد ستؤول إلى الأمم المتحدة.

وخلاصة القول إن الصوماليين يتمنون أن تستقر بلادهم بعد أن ملوا من العنف والفوضى والاغتراب لكن بعيدا عن الاستغلال والطمع في ثرواتهم، وهو أمر ليس بالمستحيل رغم التجارب المريرة التي مروا بها. كما أنهم يستبشرون خيرا بربيع الثورات العربية أملا في أن يسفر عن اهتمام عربي في بلد ما فتئوا يصفونه بـ"الشقيق" دون أن يقدموا له شيئا يذكر.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك