خالد الطراولي

نافذة ربحية قابلة للرواج
الصيغة القانونية
بين البنك المركزي والكفاءة الشرعية

غلب عنصر المفاجأة والاستغراب والتهليل على مواقف الملاحظين والمتابعين للشأن التونسي، فالحدث لا يبدو صغيرا وهو يحمل ولا شك شحنة من العواطف والمشاعر زيادة على أبعاده السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ذلك هو إعلان إنشاء بنك الزيتونة الإسلامي من خلال خبر صغير وكأنه يتحسس المكان والزمان قبل أن يرمي بجذوره في أرض الزيتونة.

التقت على الخبر خمسة مضارب حيث إن صاحب المبادرة تونسي ورجل أعمال معروف باستثماراته الداخلية، وصهر الرئيس، ويحمل تجربة سابقة في إذاعة الزيتونة للقرآن الكريم، وتجربة إسلامية في التعامل المصرفي في بلد يحمل نظامه الكثير من التوجس والتضارب تجاه الظاهرة الإسلامية إجمالا، وبه صحوة إسلامية متعاظمة تشكو عدم التأطير والتوجيه والإرشاد ومفتوحة على كل الأبواب.

نافذة ربحية قابلة للرواج

 يعتبر بنك الزيتونة الإسلامي نافذة اقتصادية ربحية متاحة للاستثمار والربح الكبير، حيث يبدو سوق "المنتجات الإسلامية" قابلا للرواج في ظل هذه العودة المشهودة للدين عبادة ومعاملة.

ويعيش المشهد الاقتصادي العام انحسارا وتململا في مستويات الإنتاج والاستهلاك والاستثمار، بعد حديث طال أكثر من عقد عن "المعجزة الاقتصادية التونسية" ومعدلات نمو مرتفعة قياسا ببلدان أخرى.

ويأتي هذا البنك بينما المشهد الاجتماعي مرتبك ويدخل مناطق الحيرة والخوف من الحاضر والمستقبل، ويبرز الانفلات في الأسعار وتأثيراته الخطيرة على المستوى المعيشي، زيادة على تفاقم البطالة وخاصة لأصحاب الشهادات العليا، مع انحسار في مستوى الطبقة المتوسطة.

والمشهد العام للبلاد يعيش ركودا ورتابة واجترارا، وفي نفس الوقت يحمل في داخله إمكانيات هائلة مصوّبة نحو المجهول.

في هذا الإطار المشحون تأتي التجربة الجديدة لبنك الزيتونة الإسلامي، والتي لنا معها وقفة غير معمقة وإشارة -إن أمكن- إلى أماكن الظل واستشراف المستقبل، في أبوابه المتعددة وخاصة بابه الاقتصادي.

"
بنك الزيتونة الإسلامي نافذة اقتصادية ربحية متاحة للاستثمار والربح الكبير حيث يبدو سوق المنتجات الإسلامية قابلا للرواج في ظل هذه العودة المشهودة للدين عبادة ومعاملة
"

ولا تعتبر مبادرة بنك الزيتونة -كمنشأة إسلامية للصيرفة- الأولى من نوعها، فقد سبقتها في الثمانينيات تجربة بنك التمويل التونسي السعودي (BEST) الذي يتبع مجموعة البركة العالمية، كما دخل على الخط منذ بداية السنة بنك نور الإسلامي التابع لدولة الإمارات العربية المتحدة.

ويشكل عدم تجذر التجربة البنكية الإسلامية في تونس وعدم بقائها استثناء في العالم الإسلامي، حيث مر على التجربة أكثر من أربعة عقود منذ انطلاقتها البسيطة في قرية ميت غامر بمصر في بداية الستينيات، وانتشارها المدوي خارج حدودها "الطبيعية" ودخولها مواطن وبلدانا إسلامية وغير إسلامية، ومنها من رفع شعار العلمانية عاليا كتركيا.

وفي إظهار لتراكم التجربة وتوسعها العالمي، توقع تقرير اقتصادي أن تشهد أصول الصرافة الإسلامية نمواً في العام 2010 بمعدل لا يقل عن 20% سنوياً، ليتجاوز حجمها حاجز الـ1.5 تريليون دولار مقارنة بـ900 مليار دولار خلال العام 2007.

وفي ظل الأزمة الحالية التي يعيشها عالم المال والأعمال أصبح التمويل الإسلامي ملجأ هاما للمستثمرين بما يمثله من تقليل عامل المخاطرة في ظل المأزق الحالي للائتمان العالمي وانهيار قطاع العقارات الأميركي.

ويلاحظ عدم وضوح المنحى المعتمد والصفة الملازمة للبنك الجديد: هل هو بنك إيداع أم بنك استثمار أم بنك أعمال أم بنك غير مقيم أم شركة إيجار مالي؟ وبين هذه الأصناف تتحدد القيمة الأساسية للبنك، والإضافة التي يمكن أن يقدمها للمسار التنموي في تونس عبر علاقته المباشرة مع الزبائن الصغار والكبار على السواء، وكذلك لجدية الإضافة الإسلامية في هذا المجال.

الصيغة القانونية

ميز الجهاز البنكي التونسي بين أصناف عدة من البنوك وأعطاها تحديدا واضحا، فمهمة بنوك الإيداع قبول الإيداعات مهما تكن مدتها أو شكلها، ومنح القروض ولا سيما منها القصيرة الأجل، والقيام كوسيط في عمليات الصرف. كما تؤمن لزبائنها استخلاص وسداد الصكوك والسندات أو قسائم الدفع أو غيرها من سندات الدفع أو الدين.

ويمكن لهذه البنوك في نطاق احترام النظم القانونية، منح قروض متوسطة وطويلة الأجل تموّل على ودائع المساهمين، كما يمكنها أخذ مساهمات في رأس مال المؤسسات.

"
عمل بنوك الاستثمار يتمثل في استنباط وإنجاز وتمويل مشاريع الاستثمار في كل قطاعات الاقتصاد الوطني، من زراعة وصيد بحري وصناعة وسياحة وعقارات وغيرها
"
وعمل بنوك الاستثمار يتمثل في استنباط وإنجاز وتمويل مشاريع الاستثمار في كل قطاعات الاقتصاد الوطني، من زراعة وصيد بحري وصناعة وسياحة وعقارات وغيرها.

أما بنوك الأعمال فتتمثل مهمتها أساسا في تقديم الاستشارات والمساعدة على التصرّف في الممتلكات، وتقديم الخدمات في مجال الهندسة المالية، وبصفة عامة كل الخدمات التي تهدف إلى تسهيل بعث المؤسسات وتطويرها وإعادة هيكلتها.

وتقوم شركات الإيجار المالي بإيجار تجهيزات أو معدات أو عقارات لفائدة المشاريع الاقتصادية من تجارة وفلاحة و صيد بحري وخدمات.

وأما البنوك غير المقيمة فهي مؤسسات مرخص لها تتعامل أساسا مع غير المقيمين، حيث يمكنها القيام بكل حرية بقبول كل أنواع الموارد التي هي على ملك غير المقيمين ومنحهم كل المساعدات، خاصة في شكل مساهمات في رأس مال المؤسسات وكل أنواع الضمانات. وتتمتع هذه المؤسسات بحرية مطلقة في ميدان الصرف بالنسبة إلى عملياتها مع غير المقيمين.

وكان في تونس إلى عام 2005 ثمانية بنوك غير مقيمة وهي على التوالي: سيتي بنك، الاتحاد التونسي للبنوك، لون أند إنفستمنت، مصرف شمال أفريقيا الدولي، المؤسسة العربية المصرفية، بنك اليوباف الدولي وبيت التمويل التونسي السعودي وهو الذي يعنينا في مقاربتنا هذه، حيث ظل هذا البنك يحمل هذه الصيغة منذ انطلاقه منذ قرابة ثلاثة عقود، ورغم صفته الإسلامية فإنه لا يكاد يعرف عند الخاص والعام إلا عند نخبة النخبة أو الدارسين الاقتصاديين للجهاز البنكي التونسي وسياسته النقدية، حيث غاب البنك عن الجمهور التونسي نظرا لصفته الملازمة في التعامل الخاص مع غير المقيمين وحساسية البعد الإسلامي في ماهيته.

وهنا مربط الفرس وأحد مكامن الغموض في افتتاح هذا البنك الجديد، فما هي الصفة التي سيتبناها البنك الجديد؟ خاصة أنه بالإضافة إلى بيت التمويل التونسي السعودي سالف الذكر، فإن دخول بنك النور الإسلامي الإماراتي على الخط لا يوحي بأنه بنك للإيداع بحيث يتعامل مباشرة مع جمهور المواطنين، ولكن يركز مكتبه الإقليمي في تونس -بحسب الأخبار الوافدة- على "الاستثمارات والخدمات المصرفية للشركات. كما سيسعى إلى فتح قنوات استثمارية جديدة من دول مجلس التعاون الخليجي نحو منطقة شمال أفريقيا، في كل من مصر وليبيا وتونس والجزائر والمغرب وموريتانيا".

كل هذا يجعلنا بالقدر الذي نستبشر لكل فعل تمويلي أو استثماري أو تجاري لتقنيات مالية إسلامية داخل الوطن، ونعتبره خطوة نحو إرساء مؤسسات مصرفية إسلامية كاملة في تونس، بالقدر ذاته نعتبر أن المسار لا يزال غير واضح وتشوبه الكثير من النقائص المبنية أساسا على البعد السياسي الحساس للمسألة.

 بين البنك المركزي والكفاءة الشرعية

تحمل البنوك الإسلامية فرادة وتجديدا في مستوى التعاملات المالية تنظيرا وتنزيلا، ولعل الاجتهاد البنكي الإسلامي يعتبر ولا شك من أكبر الإضافات التي شهدها المشهد المالي العالمي في القرن الأخير، حيث تمثل إدخال تقنيات استثمار جديدة وتعامل بديل للمطروح عالميا منذ أكثر من ثلاثة قرون، حيث مثلت الفائدة ولا تزال عصب الاقتصاد العالمي، فكانت عناصر المضاربة والمشاركة والمرابحة وما يتبعها من وسائل متطورة إفرازا فريدا لتنظير جديد يعتمد الإسلام كمرجعية أساسية في بناء سوق المعاملات على أساس استبعاد عنصر الفائدة والربا.

ومثلت خاصية استبعاد الفائدة وتبني تعامل على أساس المشاركة في الربح والخسارة قضية شائكة بين البنك المركزي والبنوك الجديدة وكيفية مراقبتها والتزامها بمقرراته وقوانينه، وكيفية التعامل معها بما أنها ترفض التعامل الربوي، وكان مما وجب إدخاله هو سن قوانين خاصة بها. فهل ستكون الرقابة مباشرة من البنك المركزي كما هو الحال مع البنوك التقليدية أم يحملها عنصر خارجي كإعطاء هذه الوظيفة إلى الاتحاد الدولي للبنوك الإسلامية أو إلى البنك الإسلامي للتنمية وتونس عضو فيه؟

لعل العامل السياسي سيساهم بشكل قاطع في هذه المسألة وستطرح قضايا السيادة بشكل حاسم، ولذلك يمكن أن يحمل البنك المركزي التونسي على عاتقه مهمة الرقابة على البنوك الإسلامية، خاصة إذا توسع عددها وأصبحت رقما مهما داخل الجهاز البنكي.

وبما أن تعامل البنك المركزي مع البنوك التقليدية عبر السياسة النقدية يخضع في جانبه المهم إلى عامل الفائدة، وبما أن البنوك الإسلامية لا تخضع لها فإن تجاوز هذه الإشكالية يتم غالبا وبكثير من الحذر عبر تحديدات مباشرة وتوجيهات مثل تحديد نسبة رأس مال البنك الإسلامي إلى الودائع، وتحديد القطاعات الأولية للاستثمار، وتحديد الاحتياطي النقدي لدى البنك المركزي، وأيضا في التدخل لتحديد نسبة الربح في تقنيات المرابحة والبيوع والإجارة.

"
في ضوء الخصوصية التي يحملها البنك الإسلامي من تعاظم المخاطرة لديه باستناده إلى تقنيات المضاربة والمشاركة، على البنك المركزي أن يحرص على توفر البنك الإسلامي على رأس مال محترم يخوله الاستثمار بأكثر طمأنة للجهاز البنكي
"

والمهم في تجربة بنك الزيتونة الإسلامي وأي بنك إسلامي يسعى للتواجد في تونس إذا سمحت الإرادة السياسية، هو البعد الاقتصادي المرجو من هذا الإنشاء، وعلى البنك المركزي التخلص ما أمكن من أي ضغط سياسي في هذا الباب إن وقع، وتوجيه مراقبته وتحديداته نحو مشاريع تنموية تعود بالنفع على البلاد، ولعل القطاع الزراعي التونسي يمكن أن يمثل ثغراً على البنك الجديد الوقوف عليه والاستثمار فيه، خاصة في ظل أزمة الغذاء العالمية التي كان لها الأثر في ارتفاع الأسعار.

كما أن على البنك المركزي وعلى ضوء الخصوصية التي يحملها البنك الإسلامي من تعاظم المخاطرة لديه باستناده إلى تقنيات المضاربة والمشاركة، الحرص على توفر البنك على رأس مال محترم يخوله الاستثمار بأكثر طمأنة للجهاز البنكي إجمالا بعيدا عن أي مجاملة وتأكيدا على استقلالية البنك المركزي.

تعتمد الممارسة البنكية الإسلامية على بعدين أساسيين: معرفة مزدوجة لمتطلبات وتقنيات العمل البنكي في مفهومه السائد، ومعرفة الوسائل والتقنيات التي أفرزتها النظرية المصرفية الإسلامية، ووجود لجنة مراقبة شرعية دائمة للعمليات البنكية التي يعتمدها البنك في معاملاته.

ولعل التجربة المصرفية الإسلامية عموما قد عانت في فترات من مسارها من ضيق سوق الكفاءات في هذا المجال وقد عاد عليها في بعض الأزمنة والأمكنة ببعض التعقيدات والأضرار.

ويبدو أن الإطار التونسي غير مهيأ بالصفة المناسبة والكاملة للتعاطي مع التجربة بكل نجاح رغم وجود كوادر جيدة وممتازة في الناحية العلمية والعملية للمصرفية التقليدية، ولعل إنشاء معاهد مختصة في مجال الصيرفة الإسلامية أو فتح نوافذ واختصاصات في الجامعات الاقتصادية أو إجراء دورات تدريبية خارجية عاجلة يمثل أحد الحلول. وذلك رغم أننا كنا نحبذ أن يكون هذا المنحى سابقا للتجربة وخاضعا لبيداغوجية (مناهج) تعليمية واضحة قبل أن يحتمي بأهداف اقتصادية أو سياسية عاجلة.

أما عن لجان المراقبة الشرعية فإن التمكن التأصيلي والشرعي في هذا الميدان يمثل أداة هامة وضرورية لنجاح التجربة وتأكيد مصداقيتها عند الجماهير، فعامل الثقة والطمأنينة مكسب أساسي في نجاح التجربة وهذا يتطلب التعمق في المعرفة الشرعية وتأطير المجموعة الكفُؤة فيه. غير أن هذا البعد يبقى حبيس الإرادة السياسية في تكوين هذه الجهات العلمية المختصة، ورغم أن استدعاء المشرع الخارجي يمثل حلا في هذا المجال فإن ابن البلد يبقى قيمة مضافة على أكثر من باب.

خاتمة
لقد أصبحت التجربة المصرفية الإسلامية واقعا وبديلا يطرح اليوم في ظل الأزمة العالمية للائتمان، ولعل تعاظم ودائعها وتكاثر منشآتها وتبني تقنياتها الاستثمارية من قبل العديد من البنوك التقليدية خير حجة وبرهان للإمكانيات العريضة التي تحملها التجربة.

وإن كانت تونس لم تفتح بعد ذراعيها للمصرفية الإسلامية فإن دخول بنك الزيتونة الإسلامي على الخط وخاصة تبنيه من أفراد متمكنين داخل السلطة، يعطي دفعا لهذه التجربة في انتظار توسعتها. غير أن العامل السياسي والإرادة المرتبطة به يبقى المحدد الأولي والرئيسي لنجاح التجربة أو ضمورها.
______________
كاتب تونسي

المصدر : الجزيرة