لماذا انتخبت شعوب المنطقة الإسلاميين؟
هل فشل الإسلاميون في الحكم أم تم إفشالهم؟
مستقبل الإسلاميين
ومضة في الأفق

ثمة مقولة تسود في الإعلام العربي بشأن فشل الإسلاميين في الحكم، ويطرحها البعض وكأنها مسلمة أو أطروحة لا جدال فيها. وجوهر الأطروحة ببساطة يتكىء على أن الشعوب العربية اختارت الإسلاميين للحكم عبر الانتخاب، لكنهم فشلوا في تجربتهم، وعليهم التنحي وفتح الطريق لغيرهم، رغم قصر مدة حكمهم، وعدم اكتمال تجربتهم أصلا، واخترع لإثبات ذلك "نظرية" جديدة هي شرعية الشارع لا شرعية الصندوق.

ولعل من الدقة القول إن تجربة الإسلاميين في الحكم لم تبدأ بعد بالمعنى الحقيقي، وإذا كانت مدة حكمهم تعد بالأشهر، فإن غيرهم من القوميين واليساريين أخذوا عقودا من الزمن في الحكم قبل أن يُحكم على تجاربهم، ومازال بعضهم يقصف شعبه حتى الآن بكل أنواع الأسلحة الفتاكة إصرارا على تمسكه بالحكم.

جرى إدماج المعتدلين صورياً في النظم السياسية العربية عبر مشاركة مقننة لتوفير الشرعية السياسية لها، وتمت هندسة حملة دولية وإقليمية لمحاربة المتطرفين، بينما أُلحق التقليديون كدعائم مساندة لنظم الاستبداد السياسي بالمنطقة

وهذا لا يعني إطلاقاً أن الإسلاميين لم يخطئوا في فترة حكمهم القصيرة المدى، فقد أخطؤوا وأصابوا كما هو شأن غيرهم من القوى السياسية. ولكن اللافت أن أخطاء الإسلاميين تُضخّم عن عمد ويجري تحويلها في الآونة الأخيرة بشكل ممنهج إلى خطايا عظيمة، وتعمل بعض الأبواق الإعلامية واسعة التأثير على شيطنتهم، وتجهد بالدعوة لاستئصالهم.

لماذا انتخبت شعوب المنطقة الإسلاميين؟
جوبهت الظاهرة الإسلامية منذ نشأتها من الداخل والخارج بوسائل عديدة، واشتدت وتيرة استهدافها بعد وراثتها للتيارات السياسية التي سبقتها، وتسيّدها للفضاء الثقافي في المنطقة بأسرها.

وفي محاولة لمواجهتها فقد نحت الغرب مصطلح "الإسلام السياسي" لعزل عناصر الظاهرة وروادها عن فضائهما الشعبي والثقافي. واستُخدم تكتيك التفرقة بذكاء بارع لتفتيت الظاهرة إلى معتدلين ومتطرفين وتقليديين.

وجرى إدماج المعتدلين صورياً في النظم السياسية العربية عبر مشاركة مقننة لتوفير الشرعية السياسية للأخيرة، وتمت هندسة حملة دولية وإقليمية لمحاربة المتطرفين، بينما أُلحق التقليديون كدعائم مساندة لنظم الاستبداد السياسي في المنطقة.

وفي خط موازٍ عملت النظم الحاكمة العربية على استخدام الظاهرة الإسلامية كفزاعة لتخويف الغرب من الإسلاميين، وفي ذات الخط جهد إعلام هذه النظم على شيطنتهم وتشويه مشروعهم الثقافي والسياسي لعزلهم عن قاعدتهم الشعبية.

وبرغم السياسات التي اتُخذت للحد من انتشار الظاهرة الإسلامية، إلا أن الإسلاميين تقدموا بخطى واسعة واحتلوا الفضاء الثقافي بالمنطقة في نهاية المطاف، وعقب الربيع العربي اختارتهم شعوب المنطقة لاعتلاء سدة الحكم في أكثر من قُطر.

وفي تفسير سبب بقائهم وتجذرهم رغم قسوة الحملات التي واجهتهم قبل الربيع العربي، وانتخاب الشعوب لهم بعد انطلاقه، يمكن القول أولا: إن الإسلاميين كانوا الفصيل القائد في مقاومة الاحتلال في كل الساحات العربية، بما في ذلك الساحة الفلسطينية.

وثانيا: لأنهم كانوا في طليعة القوى التي قارعت الاستبداد العربي، واكتظت سجون حكامه بقياداتهم ومختلف عناصرهم، ولا زالت مكتظة. وثالثا: لأن مشروعهم الثقافي يتماهى مع هوية شعوب المنطقة، ويتحد مع مقدسها، مما حدا بالشعوب لأن تلتف حولهم، وأن تحتفي بمشروعهم الثقافي والسياسي.

هل فشل الإسلاميون في الحكم أم تم إفشالهم؟
رغم الترويج الواسع لمقولة فشل الإسلاميين في الحكم، إلا أن مشكلة هذه الأطروحة أنها ضعيفة المصداقية من عدة وجوه:

تجربة الإسلاميين في الحكم لم تكتمل بعد، فهي أجهضت بقوة الانقلاب العسكري في مصر، ومازالت تغالب قوى الثورة المضادة في تونس وغيرها. وخبرة التاريخ تقول إن من يُنتزع من الحكم ببنادق العسكر بالرغم من قوة مشروعه يعود ثانية وبقوة أكبر

أولا: لأن من يرددها هم خصوم الإسلاميين، وهي تأتي في إطار الصراع السياسي القائم بينهم وبين القوى الأخرى المناوئة لهم في فضاء المرحلة الانتقالية التي أعقبت الانتفاضات الثورية للربيع العربي.

بل يُلاحظ أن اللهجة التي تتردد فيها الأطروحة توحي بأن المراد منها الإعلان أن مشروع الإسلاميين قد فشل، تمهيداً لطي صفحتهم بالكامل، وإزاحتهم من المشهد السياسي.

وثانيا: لأن تجربة الإسلاميين في الحكم لم تتوفر لها الشروط الموضوعية للنجاح أصلا، أكثر من ذلك، فقد تعرضوا وما يزالون لشبكة معقدة من الأفخاخ من قبل الدولة العميقة التي عمل دهاقنتها على إفشال تجربة الإسلاميين بالتنسيق مع كافة القوى السياسية المناهضة لهم في الداخل والخارج.

وثالثا: لأن الغرب بما له من تأثير طاغٍ على البيئة الإقليمية لم يكن جاداً بقبول الإسلاميين في الحكم، إنما قبل بهم مؤقتاً كمعطى فرضه الأمر الواقع، وما المرحلة السابقة سوى لحظة استيعاب لهم فقط، وبمثابة مصيدة لإفشالهم، من أجل إزاحتهم عن سدة الحكم بحجة الفشل.

أما ما مكن الثورة المضادة من استعادة زمام المبادرة وخاصة في الساحة المصرية فليست أخطاء الإسلاميين وحدهم، بل القدر الأكبر من المسؤولية تتحمله كافة القوى المناوئة لهم، ومن الظلم تحميل الإسلاميين مسؤولية الفشل.

وإذا كان الإسلاميون قد أخطؤوا، فخطؤهم يندرج في خانة الخطأ في الوسيلة والاجتهاد، بينما أخطاء غيرهم تتصل بالغاية والهدف، لأن قطاعاً عريضاً من هذه القوى المناهضة للإسلاميين قاد حملة ممنهجة لإفشال تجربتهم، وتحالف مع رموز الدولة العميقة وغيرهم لأجل ذلك.

وقديماً قيل "لا يستوي من طلب الحق فلم يدركه، مع من أراد الباطل فلحق به"، والفرق شاسع بين خطأ الاجتهاد وخطأ الهوى والعناد.

أبرز أخطاء الإسلاميين هي:

  • استخدام أساليب الحشد بدلاً من بناء الشراكة مع القوى الأخرى، مما عظم من حالة الاستقطاب، وأدى لعدم قدرة كافة الأطراف على ممارسة العمل المشترك، والعجز عن تبني خطاب قومي جامع.
  • تداخل السياسي بالدعوي في الخطاب السياسي للإسلاميين، مما أثار حفيظة القوى المناوئة لهم، وفجر مخاوف القوى الغربية المراقبة للمشهد العربي كذلك، وفي نهاية المطاف تحالف الداخل والخارج ضد تجربتهم.
  • عدم قدرتهم على التفريق بين مقتضيات الثورة ومتطلبات الدولة، وإدارة مرحلة الثورة بأدوات الدولة.
وهمسة في أذن من ناهض الإسلاميين كرهاً ومناكفة لهم، عودوا للتوحد معهم لاستنقاذ الثورة على قاعدة الشراكة وحسن النوايا، لأنه لا بديل عنهم سوى العسكر أو نظم مستبدة من إنتاج جديد، والمشهد المصري شاهد على ذلك

أما أهم أخطاء القوى الأخرى فهي:

  • غياب روح المشاركة مع الإسلاميين في الحكم، واعتماد أساليب المناكفة والإفشال، بل والتنسيق مع القوى الخارجية لإسقاط تجربة حكم الإسلاميين.
  • تقديم غطاء شرعي لقطاعات عريضة من الدولة العميقة من قواد الثورة المضادة، عبر إشراكهم في جبهة المعارضة السياسية للإسلاميين، مما مكنهم في نهاية المطاف من القفز على سدة الحكم من جديد.
  • ومثلما فشلت هذه القوى في الحكم سابقاً، فشلت في المعارضة كذلك، إذ قدمت نموذجاً سيئا، بلغ من سوئه أن فضلت هذه القوى حكم العسكر على الإسلاميين، ورفضت منح الحكام الجدد من الإسلاميين فرصة التجربة الكاملة.

وفي المحصلة، فمن يتأمل في أخطاء الإسلاميين، وأخطاء غيرهم، يدرك أن الإسلاميين لم يفشلوا، ولكن تم إفشالهم وفق خطة ممنهجة ومتدرجة. ونعم هم أخطؤوا كما أخطأ غيرهم، لكن من يتحمل المسؤولية هو من وصلت أخطاؤه درجة الخطيئة.

مستقبل الإسلاميين
تجربة الإسلاميين في الحكم لم تكتمل بعد، فهي أجهضت بقوة الانقلاب العسكري في مصر، ومازالت تغالب قوى الثورة المضادة في تونس وغيرها. وخبرة التاريخ تقول إن من ينتزع من الحكم ببنادق العسكر بالرغم من قوة مشروعه الحضاري أو السياسي يعود ثانية وبقوة أكبر، لأن القوة العارية في الميدان السياسي لا يمكنها توفير شرعية البقاء للمتغلب بلا مشروع فكري على المدى الإستراتيجي.

والإسلاميون سيبقون القوة الأكبر في المشهد السياسي في المنطقة برغم إزاحة بعضهم عن الحكم كما في مصر، وبرغم إصرار مناوئيهم على إسقاط تجاربهم في أقطار أخرى، وذلك:

  •  لأن الأسباب التي دفعت الشعوب لانتخابهم والالتفاف حولهم ما زالت قائمة، وما يزالون الأقوى تنظيماً والأوسع انتشاراً واتصالاً مع الجماهير، التي ستلتف حولهم أكثر بسبب مظلوميتهم جراء الحملة القاسية التي يتعرضون لها في الوقت الراهن.
  •  كما أن مشروعهم الفكري ما زال متسيداً للفضاء الثقافي العربي، وإزاحتهم عن الحكم بقوة الجيش في الحالة المصرية تثبت أن لا بديل عنهم سوى العسكر، أما سائر القوى الأخرى فليست سوى ديكور أكمل مشهد الانقلاب العسكري، وأعطاه الوجه المدني صوريا.
  •  ولأنهم في الحالة المصرية على سبيل المثال قدموا نموذجاً رائداً في الحكم والمعارضة، فحكم مرسي لم يشهد مساساً بحقوق الإنسان، ولم يتعرض لحرية الإعلام، وأعطى مثلاً مشرفاً عن الشفافية المالية، لدرجة أن الرئيس ذاته لم يكن يتقاضى راتباً من الدولة، كما أن الإسلاميين كمعارضة يتمسكون حالياً بسلميتهم بصلابة مدهشة بالرغم من قسوة حملة الاستئصال التي يتعرضون لها.
  •  وإذا كان العقل الجمعي لقطاعات من الشعب ثملاً حالياً بسبب تأثيرات الحملة الدعائية الطاغية التي تشنها قوى الثورة المضادة، فإن الشعب سيستفيق بأكمله لاحقا، وهذه دورة الثورة بحسب مسار التاريخ، وانتفاضة الشعب بموجتها الجديدة ستكون أعنف وأنقى، لأن الثورة ستنفي خبثها في المرحلة القادمة.

ومضة في الأفق
لمصلحة الثورة ومستقبلها يتعين على كل القوى السياسية والاجتماعية التي ناصرتها منذ بدايتها أن تتعالى على المصالح الفرعية، والتوحد بإصرار للنهوض بقوة لاستنقاذ الربيع العربي من أيدي دهاقنة الثورة المضادة الذين يسعون حالياً للإجهاز عليه، ويخططون لإعادة إنتاج النظم القديمة بموديلات جديدة.

وهمسة في أذن من ناهض الإسلاميين كرهاً ومناكفة لهم، عودوا للتوحد معهم لاستنقاذ الثورة على قاعدة الشراكة وحسن النوايا، لأنه لا بديل عنهم سوى العسكر أو نظم مستبدة من إنتاج جديد، والمشهد المصري شاهد على ذلك، وإلا فإن الإسلاميين سيعودون بقوة ولوحدهم في الموجة الثانية للثورة، وحينذاك سيضيق الميدان باللاعبين.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك