عرض/ إبراهيم غرايبة
يعتقد سعدون حمادي أحد كبار المسؤولين في النظام السياسي العراقي قبل الاحتلال الأميركي وأستاذ الاقتصاد بجامعة بغداد أن الوحدة العربية قضية قومية وليست سياسية، ولا بد للحركة القومية أن تحدد هدفها بدقة ووضوح، وهو تحقيق مشروع الوحدة العربية وليس الوصول إلى الحكم.

ويقترح لأجل ذلك برنامج عمل قائما على العمل الشعبي، والتوعية، والاتصال، والتفاعل والتعبئة الجماهيرية، والحوار. ويتحدث الكتاب أيضا عن أهمية القوة ودورها في النهضة والتقدم، ومسألة المدخل الاقتصادي في حركة الوحدة لتحسين مستوى المعيشة للجمهور العربي.

- الكتاب: مشروع الوحدة العربية.. ما العمل؟
- المؤلف: د. سعدون حمادي
- عدد الصفحات: 171
- الناشر: مركز دراسات الوحدة العربية, بيروت 
- الطبعة: الأولى/2006

الفكر القومي
ما زال العمل الثقافي يسلك نهجا يقفز إلى استنتاجات كبيرة على أساس معطيات ضعيفة، لا تتحمل قواعدها البناء الذي وضع فوقها، وما زال تحت تأثير العادة والقوالب الفكرية الجاهزة. ومن سمات الوضع الثقافي أيضا العربي أنه يشهد موجات من الصعود والهبوط، إما بسبب تطور دولي معين أو بسبب تقلبات الوضع الداخلي.

ففي المرحلة الأولى حاولت الحركة القومية تحقيق كيان عربي موحد بشكل وبحدود معينة، متمثلا في الثورة العربية بقيادة الشريف حسين بن علي. وعند التمعن في مسألة العمل الذي قام لتحقيق ذلك المشروع لا نجد الكثير من البحث النظري، إذ كانت جذوره تعود إلى الشعور التلقائي والاستجابة للظروف الموجودة.

وفي مرحلة لاحقة تطور الفكر القومي فنشأت حركة وحدوية سديمية في صفوف الجماهير، وظهرت بوادر تكوين رأي عام في هذا الاتجاه، واستطاعت هذه الحركة تحقيق خطوة توحيدية مهمة تمثلت في وحدة سوريا ومصر.

وبملاحظة التفكير الذي وقف وراء تلك الإستراتيجية يتضح أن مواضع الضعف تمثلت في أن الخطاب كان سياسي المدخل، وأنه اكتفى بالنخبة، واعتبر مجرد الوصول إلى السلطة كافيا لتحقيق المشروع. ولكن الوحدة يجب أن تقوم على قناعة بمزايا حقيقية ملموسة من قبل أكثرية مهمة في المجتمع، فتأتي نتيجة لعملية تفاعل نشطة بين حركة الوحدة والأنظمة القائمة، تتضمن الإقناع والتأثير والضغط لمعالجة العقبات.

الوضع الراهن له خصوصيات لا بد من استيعابها وأخذها في الحساب عند تصور خطة العمل، ولعل من أهم هذه الخصوصيات أن الدولة القطرية الموجودة أصبحت راسخة، فقد مضى على قيامها وقت ولها وضع قانوني ودولي.

والدول القطرية متفاوتة في الحجم وعدد السكان، والإمكانيات المالية وتوافر الموارد لطبيعية، كما يجب ألا يغيب عن البال أن مسألة القيادة وتقدم الصفوف ليست واحدة في كل شأن بل قد تتفاوت من حالة إلى أخرى، فهذا القطر قد يكون سباقا ومبادرا نشيطا في خطوة ما وقد لا يكون كذلك.

وإذا اعتبرنا نهاية الحرب العالمية هي البداية لنشوء الدولة القطرية فذلك يعني أنه مضى على نشوئها نحو 85 عاما، فما هي أبرز النتائج الاقتصادية والاجتماعية والأمنية التي تحققت خلال هذه الفترة؟

يقع الوطن العربي في ملتقى المواصلات في العالم ويطل على بحار ومحيطات مهمة وفيه عدد من الممرات البحرية الحيوية للتجارة العالمية وبخاصة النفطية، ولكن الحالة العامة للدول العربية عام 2003 تشير إلى انخفاض في مستوى الدخل لدى جميع الدول العربية غير النفطية، وبلغت نسبة الاكتفاء الذاتي من الحبوب 48.2% من الطلب، وبلغت قيمة الجفوة الغذائية 14.7 مليار دولار، فأداء الدولة القطرية في مجال التنمية ومستوى معيشة الفرد هو دون كثير من الدول النامية، في حين أنه إذا ما قورن بما حققته ماليزيا مثلا تبدو الفجوة أكبر.

أما أداؤها في جانب الأمن وحماية أرض الوطن وحياة المواطنين فتدل عليه الوقائع، فقد تم خلال فترة عمر الدولة القطرية احتلال أرض فلسطين ولواء الإسكندرون والجزر العربية الثلاث في الخليج العربي: طنب الكبرى والصغرى وأبو موسى، ونصف شط العرب والجولان ومزارع شبعا وسبتة ومليلة والجزر الجعفرية، وأصبح شمال العراق وجنوب السودان مهددين بالانفصال، كما تفاقمت مشكلة المياه.

"
جميع الصعوبات والمشاكل التي واجهت مشروع الوحدة العربية ما كان لها أن تظهر أو تنمو وتتوسع لولا وضع التجزئة المتسم بالضعف والانقسام الذي شجع القوى المعادية في الداخل والخارج على التدخل والسعي إلى تحقيق مصالح خاصة على حساب المصلحة الوطنية
"
أما في منطقة الخليج العربي فقد تفاقمت مشكلة الأمن بسبب نمو حجم العمالة غير العربية لدرجة أن السكان العرب أصبحوا أقلية في بعض تلك البلدان، وتفاقم موضوع الأمن الداخلي في الدول العربية لدرجة أن قضية الأمن أصبحت رئيسية للأنظمة الحاكمة، وهذا يدل على أن الدولة القطرية رغم مرور زمن طويل قد فشلت في أهم قضيتين، وهما التنمية والأمن.

وهناك صفة عامة تلاحظ على أنظمة الدولة القطرية هي الفساد الإداري والتصرف غير القانوني بالمال العام، إلى جانب الأزمات الخاصة التي نشأت في كل قطر بسبب أوضاعه المحلية وعلاقاته بالآخرين، ولا تكاد دولة عربية واحدة تخلو من وضع الأزمة الخاصة.

إن جميع هذه الصعوبات والمشاكل ما كان لها أن تظهر أو تنمو وتتوسع لولا وضع التجزئة المتسم بالضعف والانقسام الذي شجع القوى المعادية في الداخل والخارج على التدخل والسعي إلى تحقيق مصالح خاصة على حساب المصلحة الوطنية.

الوحدة الاجتماعية
التغيير المطلوب يجب أن يتناول الفرد في تفكيره وسلوكه، فالوحدة تعني الانتقال من وضع مختلف في أمور أساسية في الحياة العامة، فالتفكير السائد الآن عموما هو وريث المجتمع القديم وثقافات فترة التخلف بكل ما فيه من أثر للخرافة وخضوع للعادات وتأثير للعصبيات في الحي والمدينة والعشيرة والطائفة والقطر والعرق وما سواها من المشاعر تحت الوطنية.

إن الروح العلمية القائمة على التجربة والبيانات والموضوعية ضعيفة، وذلك هو الفرق الجوهري بين صفات الفرد في المجتمع المتقدم وبين صفاته في المجتمع المتخلف، فالنضال الحقيقي هو الذي بمقدوره تحريك المجتمع ونقله من مرتبة إلى أخرى.

وعملية النهوض العربي تحتاج أولا إلى تحليل الواقع العربي، أي فهم المجتمع كما هو بوضعه الحالي، لنتبين درجة التعقيد وتداخل العوامل المؤثرة ودرجة فعالية كل منها.

إن المجتمع تركيب معقد تسوده التعددية، ففيه المثل العليا وميول الخير، وفيه ميول الغرائز ومشاعر المصالح الذاتية، ولا يمكن فهمه إلا بالاقتراب منه والتفاعل معه والملاحظة المستمرة لما يتفاعل فيه، فلا يحكمه عامل واحد، بل تؤثر فيه عوامل متعددة، والدعوة إلى الوحدة يجب ألا تقتصر على الجانب السياسي المتعلق بكيان الدولة بل على جميع المستويات وفي جميع نواحي الحياة، الدعوة للاجتماع ولم الشمل ونبذ الفرقة ومحاربة الانقسام، وبذلك تأخذ الدعوة طابع الإصلاح والتقدم، وتكون الوحدة السياسية ضمن الإطار العام الشامل.

والوضع الاجتماعي والثقافي للمواطن العربي لا يزال في مجمله عاملا مساعدا على بقاء التجزئة وقابلا للتوظيف في هذا الاتجاه، والنخب السياسية تميل نحو المحافظة على الواقع الحالي، وبذلك تكتسب المعوقات بعدا اجتماعيا إلى جانب البعد السياسي، الأمر الذي يضع على حركة التوحيد مهمة التوعية القومية.

إن معوقات الوحدة ليست خارجية استعمارية فقط كما يتردد في الكتابات القومية، بل هي داخلية بالدرجة الأولى، فالفئة الحاكمة العربية أصبحت تناوئ مشروع الوحدة لأسباب ذاتية تتعلق بمراكزها ومصالحها في الحكم والامتيازات التي تتأتى منه.

ومهما كان تشعب تحليل العوامل التي تقف وراء الظاهرة فهي في النهاية إفرازات التخلف الذي يعانيه المجتمع العربي، التخلف في فهم مكانة الدولة ونشوء المجتمع وقضية سيادة القانون والمساواة ومعنى الصالح العام.

"
معوقات الوحدة ليست خارجية استعمارية فقط كما يتردد في الكتابات القومية، بل هي داخلية بالدرجة الأولى، فالفئة الحاكمة العربية أصبحت تناوئ مشروع الوحدة لأسباب ذاتية تتعلق بمراكزها ومصالحها في الحكم والامتيازات التي تتأتى منه
"
والعرب ينتمون تاريخيا إلى مجتمع فردي كما هو واضح في مجتمع ما قبل الإسلام حيث سادت العصبية القبلية بدلا من الدولة، الأمر الذي تدل عليه ميول التفاخر والثأر وتمجيد الصفات الفردية.

وعندما يكون المجتمع موزعا على وحدات صغيرة منعزلة تفتقر إلى الأمن ويسودها الفقر والجهل، وتنعدم فيها السلطة المركزية وتغيب سيادة الدولة، تكون الحقوق والواجبات مبنية على أساس القوة النسبية لهذا الفرد، أو مجموعته التي ينتمي إليها، أما في الدولة القومية القائمة على قانون المواطنة فالخروج على مبادئ المساواة في الحقوق والواجبات لا يعد أمرا طبيعيا بل خرقا مبدئيا يتحمل الحاكم وزره، وبالطبع كلما كانت الدولة القومية كبيرة متنوعة الموارد وذات موقع جغرافي ملائم استطاعت تحقيق وسائل عالية من التقدم الاقتصادي وخلق الثروة ورفع مستوى معيشة الفرد.

خطة لطريق الوحدة
سؤال "ما العمل؟" يحتل مكان الصدارة في بحث قضية الوحدة العربية، فخلال الفترة الماضية اتُبعت أساليب وطرق لتحقيق الوحدة العربية، ولكن المشروع لم يحقق التقدم المطلوب. وقد كانت أهم الأساليب المتبعة لتحقيق الوحدة تدور حول وصول الحزب الوحدوي إلى السلطة واستخدامها أداة للتوحيد.

وهناك حديث عن موضع القطر-القاعدة، وهو في الأغلب مستوحى من تجارب التوحيد المعروفة في أوروبا، وأضافت قيادة جمال عبد الناصر إليه اهتماما إضافيا، وهي مقولة تعني أن التفاوت أمر واقعي ومسلم به، ولا بد أن يتحمل قطر معين أو قيادة معينة المسؤولية نيابة عن الآخرين.

وهي عملية "تكوين الطليعة" تخرج من صميم العمل وتتكون بذاتها من دون تحديد مسبق، وبمرور الوقت وتطور الأوضاع لا بد أن تتبلور طوعية بعطائها ومساهمتها وقدراتها، وبهذه الطريقة لن يشعر أحد بأنها مفروضة عليه، فالأقطار العربية متباينة في الحجم ودرجة التقدم والوعي والإمكانيات البشرية والمادية، وستكون الطليعة بحاجة إلى إمكانيات أكثر، وهي التي تقود وتؤسس مشروع النواة.

وهناك فكرة تكوين جبهة وحدوية تنشأ بالتدريج، وقوامها عدد من الأشخاص من الوحدويين المعروفين بالإيمان بالمشروع، ومن ذوي العلاقات الواسعة بالوسط القومي، ولهم ماض محترم، وبالتفاعل يستطيع هذه العدد المحدود أن يضع تصورا أوليا للموضوع كفكرة.

"
هناك فكرة لتكوين جبهة وحدوية تنشأ بالتدريج، وقوامها أشخاص من الوحدويين معروفون بالإيمان بالمشروع وذوو علاقات واسعة بالوسط القومي. هذا العدد يستطيع وضع تصور أولي للموضوع كفكرة
"
وعندما يحصل التوافق ويتم القرار ببدء العمل يقوم بعض أو كل أفراد الدائرة باتصالات أوسع من مختلف البلاد العربية لضم عدد جديد من الناشطين، ويعمل العدد المحدود كلجنة تحضيرية يخصص لبحث الموضوع بتفصيل أكبر، ويتم وضع مسودة أولى لنظام داخلي يوضح ميكانيكية النشاط والاجتماعات وكيفية اتخاذ القرارات، ثم تؤلف الجبهة وفدا مصغرا يختار لإجراء اتصالات بالحكومات العربية وجامعة الدول العربية لشرح الموضوع وتوضيح أبعاده وأهدافه.

وهي جبهة ليست معارضة لأي حكومة أو نظام سياسي، وغير معنية بالسياسة المحلية لأي قطر، ولكنها تسعى لتحقيق مشروع الوحدة وبالتدريج بوسائل سلمية وديمقراطية وعن طريق الحوار والعمل المشترك.

ويخاطب هذا التيار جميع العرب ويتفاعل مع جميع الأوساط، وينشط في جميع مرافق المجتمع، وأداته العملية هي الجبهة وليس الحزب وموضوعه مجموع الأمة (الشعب والأنظمة)، وليس طبقة أو شريحة من المجتمع.

برنامج الوحدة العربية
المسألة الأولى التي تتصدر نشاط الحركة القومية هي قضية إلغاء التأشيرة بين البلاد العربية لتسهيل السفر وانتقال الأشخاص لمختلف الأغراض، والتي تمهد خطوة حرية الإقامة، ومن ثم العمل على برنامج التكامل الاقتصادي بدءا من منطقة التجارة الحرة إلى إقامة اتحاد جمركي ثم سوق عربية مشتركة للوصول إلى الوحدة الاقتصادية العربية، والعمل على إصلاح مؤسسة الجامعة العربية وتلافي الخلل الذي حدث في تناولها قضية معاهدة الدفاع المشترك والتعاون الاقتصادي والذي عطل تنفيذها، فلا بد من بعث الحيوية والروح في المؤسسات العربية التي أقيمت على الصعيدين الرسمي والخاص.

وفي المجال العملي هناك ما يستحق الاهتمام، مثل مشاريع العمل المشتركة ذات البعد القومي، كطرق المواصلات لربط البلاد العربية بشبكة جيدة تنمي التواصل البشري وتدعم التنمية المشتركة، وتوحيد القوانين والنظم.

هذه أمثلة وأفكار وليست برنامجا شاملا، ولكنها نقطة بداية للتفكير والعصف الذهني.

المصدر : الجزيرة