الجزيرة نت-خاص

يرى البروفيسور شلومو ساند أستاذ التاريخ في جامعة تل أبيب أن اليهود لم يكونوا في يوم من الأيام قومية واحدة أو شعبا واحدا، كما أنهم لا ينتسبون إلى عرق واحد.

بل يعتقد أيضا أن فكرة الوعد بعودة الأمة اليهودية إلى الأرض الموعودة هي فكرة غريبة تماما على اليهودية، وأنها لم تظهر إلا مع ميلاد الصهيونية في القرن التاسع عشر، حيث تعامل اليهود من قبل مع الأراضي المقدسة كأماكن يتم تعظيمها وليس من الضروري العيش في كنفها تماما مثلما يتعامل المسلمون مع أماكنهم المقدسة.

تشكل هذه الآراء المحور الرئيس لكتاب ساند الذي أثار وما زال يثير الكثير من الجدل منذ صدوره باللغة العبرية عام 2008 تحت عنوان "اختراع الشعب اليهودي"، حيث تصدّر الكتاب قائمة أكثر الكتب مبيعا لمدة تسعة عشر شهرا في "إسرائيل" نفسها رغم مساسه بأهم المحرمات عند اليهود.

-الكتاب: اختراع الشعب اليهودي
-المؤلف: شلومو ساند
-ترجمة: سعيد عياش
-تقديم ومراجعة: أنطوان شلحت
-عدد الصفحات: 446
-الناشر: الأهلية للنشر والتوزيع, عمان, الأردن
الطبعة: الأولى/2011

كذلك يجادل المؤلف بأن اليهود لم يتعرضوا أبدا للنفي من الأرض المقدسة، ذلك إن معظم يهود العالم اليوم ليس لهم أي ارتباط تاريخي بالأرض المسماة "إسرائيل" مستندا في ذلك إلى أبحاث ودراسات تاريخية وأركيولوجية  آثرية مكثفة.

يضم الكتاب خمسة فصول مع تمهيد، إضافة إلى مقدمة للمؤلف خصّ بها قراء الطبعة العربية التي ترجمها سعيد عياش وراجعها وقدم لها الباحث الفلسطيني أنطوان شلحت.

في القسم الأول من تمهيده يسرد ساند مجموعة من الحكايات عن أشخاص قدّر له الارتباط بهم أو التعرف عليهم عبر مراحل حياته المختلفة، منهم يهود وعرب ومسيحيون مثل والده البولندي الذي عاش حياة قاسية وأصبح شيوعيا في فترة مبكرة من حياته واعتقل إثر ذلك ثم لجأ للاحاد السوفياتي خلال الحرب العالمية الثانية، وتنقل عبر عدة محطات قبل أن تقوم الوكالة اليهودية بتسفيره إلى حيفا عن طريق مدينة مرسيليا الفرنسية في نهاية عام 1948.

وظل يشعر طوال حياته بأنه سرق أرضا يمتلكها غيره، ومثل والد زوجته الكتالوني برناندو الذي حارب في بداية حياته ضد جيش فرانكو خلال الحرب الأهلية الإسبانية، ثم انتهى به الحال مقاتلا مع الجيش الإسرائيلي في منطقة اللطرون رغم أنه لم يكن يهوديا.

ثم يعرّج على حكايتين لاثنين من أصدقائه العرب نكتشف لاحقا أن أحدهما هو الشاعر المعروف محمود درويش. ويعرض كيف أثرت النكبة واحتلال أرضهما عام 48 على مسار حياتهما.

ثم يختتم سلسلة هذه الحكايا بطالبتين قام بتدريسهما ولم تصبحا يهوديتين معترفا بهما لأنهما ولدتا من أم غير يهودية وأب يهودي، حيث انتهى الحال بالأولى المولودة في فرنسا مناهضةً للاحتلال الإسرائيلي بعد أن كانت أعلنت نفسها يوما ما صهيونية، أما الثانية المولودة في روسيا فهي تعيش اليوم في منطقة الجليل لكنها ما زالت تنتمي للديانة المسيحية مثل والدتها.

من خلال هذه الحكايات يحاول الكاتب التأكيد على الفكرة الرئيسية في كتابه بأن اليهود لم يكونوا عبر التاريخ شعبا واحدا، وبأنهم كانوا متناثرين في الدنيا قبل أن تتمكن الصهيونية من جذبهم نحو مشروعها، ومن ثم احتلالهم لأرض كانت مملوكة ومعمرة من قبل شعب آخر وتسبب هذا الاحتلال بتشرده وشقائه، وكأنه يسأل من جعلنا سكانا أصليين؟

"
الإسرائيليون يعتقدون أنهم شعب عرف التشرد في بلدان عديدة طوال ما يقرب من ألفي سنة، إلى أن توفرت له في نهاية القرن التاسع عشر ظروف مناسبة جعلته يستيقظ من كبوته ويستعد للعودة إلى أرض موطنه القديم
"
في القسم الثاني من تمهيده، الذي حمل العنوان الفرعي: "ذاكرة تمّ زرعها وتاريخ معاكس"، يعرض ساند خصائص الذاكرة التي زُرعت، على مر السنين لدى كل الإسرائيليين، والتي جعلتهم يتيقنون، من دون أن يساورهم أي شك، بأن الشعب اليهودي قد وُجد منذ نزلت التوراة على النبي موسى في صحراء سيناء، وأنهم متحدرون بصورة مباشرة وحصرية من ذلك الشعب، وأن هذا الشعب قد خرج من مصر واحة أرض إسرائيل التي وُعد بها من الرب وأقام فيها مملكتي داود وسليمان، وبأنه قد عرف فيما بعد النفي في مناسبتين: بعد تدمير الهيكل في القرن السادس قبل الميلاد، وبعد تدمير الهيكل الثاني في العام 70 للميلاد.

ويعتقدون أن هذا الشعب قد عرف التشرد في بلدان عديدة طوال ما يقرب من ألفي سنة، لكنه استطاع المحافظة على صلة الدم بين تجمعاته المتباعدة، بحيث حافظ على وحدته، وذلك إلى أن توفرت له في نهاية القرن التاسع عشر ظروف مناسبة جعلته يستيقظ من كبوته ويستعد للعودة إلى أرض موطنه القديم التي كانت أرضا بكرا وغير مسكونة، وصار عليه أن يحوّلها إلى أرض خصبة ومزهرة .

صناعة الذاكرة اليهودية
ويؤكد ساند أن هذا الواقع لم يتكوّن بصورة تلقائية، وإنما تراكم طبقة فوق طبقة اعتبارا من النصف الثاني من القرن التاسع عشر من قبل مجددين بارعين، استطاعوا أن يجمعوا نتفا من الذاكرة الدينية، اليهودية والمسيحية، وأن يقيموا فوقها، بفضل مخيلتهم الخصبة، سلسلة نسب متواصلة للشعب اليهودي.

وصارت المتطلبات القومية تكبح بروز أي تناقض أو أي انحراف عن هذه الرواية التاريخية المسيطرة. ويختم ساند تمهيده بالإشارة إلى أنه كان يفضّل أن يضطلع بمهمة تأليف كتابه فريق بحث متعدد التخصصات، لكن ذلك لم يكن ممكنا لأنه لم يجد من يتواطأ معه في إنجاز هذا المشروع. ويؤكد أن كتابة تاريخ يهودي جديد، يخرج عن نطاق الرؤية الصهيونية، ليس أمرا سهلا.

يخوض ساند في الفصل الأول من كتابه تجربة شاقة سعى من خلالها إلى مناقشة عدد من المصطلحات كالأمة والشعب والقومية والهوية وعلاقة ذلك بالدين على المستوى النظري.

ويرى أن كثيرا من هذه المصطلحات يصعب العثور على تعريف محدد لها يتفق عليه الجميع. ويرى أن هذه المصطلحات قد عاشت حراكا دائما للمعاني وتعدد الدلالات التي تعبر عنها عبر مراحل التاريخ المختلفة، فمصطلح شعب على سبيل المثال كان يدل في مرحلة على المجتمعات الزراعية على الفلاحيين الذين لم يكونوا يتقنون القراءة والكتابة وأنه أُطلق في مرحلة لاحقة على مجموعات بشرية ذات هوية فضفاضة قبل أن تكتسب الدلالة المستعملة في زماننا.

في الفصل الثاني يخبرنا ساند عن اكتشافه أن الكتّاب اليهود، وعلى مدار أكثر من ثمانية عشر قرنا لم يكتبوا تاريخا شاملا لماضيهم رغم قدم ديانتهم، ولم يظهر أي تاريخ لدينهم إلا في مطلع القرن الثامن عشر، كما أن بدايات كتابة التاريخ اليهودي في العصر الحديث لا تتسم بخطاب قومي واضح.

فمفهوم "الأمة اليهودية" لم يبرز بصورة صريحة إلا في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وذلك عندما بدؤوا يصوغون تاريخا قوميا باختراع فكرة أن اليهود قد وجدوا كشعب (أمة) وعلى نحو منفصل عن دينهم حيث صدرت في مدينة لايبزغ الألمانية في سنوات الخمسينيات من ذلك القرن المجلدات الأولى للمؤرخ هنريش غريتز تحت عنوان "تاريخ اليهود منذ العصور القديمة وحتى أيامنا هذه"، والذي ترك أثرا مهما على تشكّل الأيديولوجية الصهيونية ولعب دورا كبيرا في صقل الهوية القومية لليهود فيما بعد.

"
الكتّاب اليهود، وعلى مدار أكثر من ثمانية عشر قرنا لم يكتبوا تاريخا شاملا لماضيهم رغم قدم ديانتهم، ولم يظهر أي تاريخ لدينهم إلا في مطلع القرن الثامن عشر
"
وقد بذل غريتز جهدا كبيرا لاختراع الشعب اليهودي، ولعب مؤلفه دورا كبيرا في بلورة النمط القومي لكتابة تاريخ اليهود، ويستعرض ساند في هذا الفصل كل الدراسات والمؤلفات التي سعت إلى تقديم تاريخ لليهود ويرى أن الرواد الأوائل في هذا المجال لم يقدموا أنفسهم كقوميين يهود بل كانوا يعتبرون أن تقصي الماضي اليهودي وإبراز ايجابياته يعتبر بمثابة وسيلة إضافية لمد الجسور من أجل اندماج طائفتهم اليهودية في المجتمعات الأوروبية التي يعيشون فيها.

أي أنهم كانوا ينظرون إلى أنفسهم كيهود فقط لأنهم يشتركون في دين بعينه، لكن ومن أجل تقوية الشعور المجرد للوفاء للمجموعة، كانت الأمّة في حاجة، مثل الجماعة الدينية قبلها، إلى طقوس وأعياد واحتفالات وأساطير.

وكي تحدد نفسها وتذوب في كيان صلب واحد، هي في حاجة إلى أنشطة ثقافية عمومية ومستمرة بالإضافة إلى اختراع ذاكرة جماعية موحِّدة وهذا ما أقدم عليه العديد من المؤرخين الإسرائيلين في بداية القرن العشرين.

تفكيك الأساطير الإسرائيلية
في الفصل الثالث وهو الأكثر إمتاعا يبرز الجهد الحقيقي لساند عبر تفكيكه للأساطير الإسرائيلية. فهو يرى أن المنفى شكل إحدى الركائز الأساسية التي ساهمت بشكل فعال في خلق واختراع أسطورة الشعب اليهودي الواحد، وهو ما تتم الإشارة له بالعبرية بعبارة (جلوت).

والمنفى المشار إليه هنا يخص ما تعرض له اليهود في الفترة اللاحقة لخراب الهيكل عام 70 وما تبعه من نفي واقتلاع لجموع المؤمنين اليهود من أورشليم وتشتيتهم في أصقاع الأرض. ويشكل هذا التعريف للمنفى النموذج الأكثر قبولا، والذي أسهم في صياغة الوعي القومي والذاكرة الجماعية الإسرائيلية الحالية.

وفي بحث الكتاب عن حقيقة حصول النفي من الأساس، فإنه وبالاستناد إلى التوثيق الروماني الغني، يصعب على المرء أن يلحظ وجود ولو إشارة بسيطة لحدوث عملية نفي بتلك الضخامة من أرض يهودا. كما أنه يشير لانتفاء الحاجة للنفي أصلا، وذلك من وجهة نظر اقتصادية محضة مفادها حاجة المحتل الروماني أو الآشوري لجموع المزارعين ودافعي الضرائب من اليهود بحيث تغدو عملية نفي بمثل تلك الضخامة بمثابة كارثة اقتصادية محققة لذلك المحتل.

وبالإشارة إلى ما أورده ميلكوفسكي حول مصطلح (جلوت) أو منفى وذلك في الفترة الواقعة بين القرنين الاول والثالث للميلاد، فإن المصطلح المذكور يشير إلى حالة من التهميش والاستبعاد السياسي، وليس كما تم الترويج له من اقتلاع وتشريد من البلاد، وهو بذلك يقطع الصلة بين مفهومي الاستبعاد السياسي الموسوم بالمنفى وعمليات الاقتلاع التي تعرض لها اليهود.

"
يشكل اعتناق الديانة اليهودية، والناجم عن حركة التهويد الواسعة التي شهدتها مناطق حوض البحر الأبيض المتوسط وشمال أفريقيا، أحد الأسباب المهمة للتواجد المكثف للمؤمنين اليهود قبل خراب الهيكل
"
ويبدو أن للمنفى المزعوم أو المخترع جذورا مسيحية تشي بحالة العداء المسيحي اليهودي الكامن، حيث ساهمت الميثولوجيا المسيحية في ترسيخ مفهوم المنفى كشكل من أشكال القصاص الإلهي من اليهود جزاء صلبهم للمسيح ورفضهم دعوته، وهو ما لاقى صدىً عند اليهودي الذي أضحى يعيش في كنف ديانة مسيحية منتصرة.

وبذلك أصبح المنفى بالنسبة لليهودي عبارة عن حالة انتظار لخلاص سوف يأتي بقدوم المسيح الحقيقي. وهو ما أكده التلمود البابلي عبر ما عرف بالنذور الثلاثة التي في مقدمتها رفض أن يكون الصعود لإسرائيل (بالجدار) أي بالهجرة مجددا إلى أورشليم.

وعليه فقد أضحى تعجيل الخلاص أمرا محرما، والذي هو كما المنفى قدر لا فكاك منه، ويحرم التمرد عليه. وقد يفسر هذا التحريم تجنب الجماعات اليهودية المهاجرة النزول في فلسطين إثر تفكك مراكزها الثقافية والحيوية، فبعد خراب بابل توجه اليهود إلى بغداد، وبعد سقوط الأندلس توجهوا إلى دول حوض المتوسط، وبعد المجازر التي ارتكبت بحق مجتمع اليدييش في أوروبا الشرقية هاجر اليهود إلى الغرب، وبالأخص أميركا.

ولم يفدوا لفلسطين الانتدابية -إسرائيل لاحقا- إلا بعد أن أوصدت أمامهم أبواب الهجرة إلى الغرب، ما يقود لاستنتاج مفاده أن اليهود لم يتعرضوا للإجلاء قسرا عن (وطنهم)، كما أنهم لم (يعودوا إليه) بإرادتهم الحرة.

ويشكل اعتناق الديانة اليهودية، والناجم عن حركة التهويد الواسعة التي شهدتها مناطق حوض البحر الأبيض المتوسط وشمال أفريقيا، أحد الأسباب المهمة للتواجد المكثف للمؤمنين اليهود قبل خراب الهيكل. وهي الحقيقة التي يميل كثير من المؤرخين القوميين المعاصرين إلى تهميشها والقفز عنها أحيانا.

التبشير اليهودي
وفي رسالة الدكتوراه التي قدمها أوريئيل راببورت عام 1965، والتي لم تجد طريقها للنشر يخلص المؤرخ المذكور إلى "أن تعاظم اليهودية في العالم القديم لا يمكن تفسيره بسطوة النمو الطبيعي للسكان عن طريق الهجرة من أرض الوطن أو من خلال أي تفسير آخر لا يأخذ بالحسبان حركة الالتحاق بها من الخارج"، وهو ما أكدته أيضا إميل شايرر "على أن اليهودية في العصر القديم لم تكن بتاتا منغلقة أو منعزلة، على العكس فقد كان يملؤها الحماس للتهويد بدرجة لا تقل حدة عن المسيحية والإسلام.

"
اليهودية في العصر القديم لم تكن بتاتا منغلقة أو منعزلة، على العكس فقد كان يملؤها الحماس للتهويد بدرجة لا تقل حدة عن المسيحية والإسلام
"

إن تاريخ اليهود في كنف روما لم يكن معزولا هو الآخر عن حقيقة كون اليهودية ديانة تبشيرية، وهو ما يستشف من خلال عمليات الطرد المتكرر التي تعرض لها اليهود كنتيجة لنشاطاتهم التبشيرية في صفوف الرومان الوثنيين وميل كثير من الأخيرين إلى اعتناق هذه العقيدة التوحيدية التي هي كسائر العقائد التوحيدية كانت قادرة على تقديم إجابات على كثير من الأسئلة الغائية التي قد تجول في خاطر أي باحث عن الحقيقة وجد في اليهودية مبتغاه.

ربما لم يقدم الكتاب الكثير للقارئ والباحث العربي الذي سبق له أن قرأ كتب الراحل عبد الوهاب المسيري، لكنه كذلك بالتأكيد للقارئ الغربي، وحتى الإسرائيلي، وذلك لأنه فكك كما يرى الروائي اللبناني إلياس خوري الأسطورة الكبرى التي قامت عليها "دولة اسرائيل"، معتبرا أن هذا الأمر لا يعتبر فقط خدمة للشعب الفلسطيني بل خدمة للفكر البشري بأكمله.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك