ابحث عن
 
العضوية|من نحن|إلى الجزيرة|بيانات صحفية|خريطة الموقع|مركز المساعدة
الاثنين 20/11/1427 هـ - الموافق11/12/2006 م (آخر تحديث) الساعة 21:58 (مكة المكرمة)، 18:58 (غرينتش)
طباعة الصفحة إرسال المقال
عبود بوالصوف.. حياته النضالية ضد المستعمر
مقدم الحلقة: سامي كليب
ضيف الحلقة: عبود بوالصوف/ الرائد الجزائري السابق في جيش التحرير
تاريخ الحلقة: 1/10/2005

- مقاومة الفرنسيين وظروف الاعتقال
- الزواج بمناضلة وأسباب معارضته لبومدين

- الانقلاب على بومدين والتمرد على بن جديد


سامي كليب: مرحبا بكم أعزائي المشاهدين إلى حلقة جديدة من برنامج زيارة خاصة، ضيفنا كان ثائرا في المقاومة الجزائرية وحين اعتقلته فرنسا تحدى المعتقل وتزوج من مناضلة مثله كانت تجاوره في الزنزانة، كان يفكر بمستقبل مشرق لنفسه وبغدٍ أفضل لبلاده، لكن تمرده على الأنظمة المتعاقبة أكد المقولة الشهيرة بأن الثورة غالبا ما تأكل أبناءها، إنه الرائد الجزائري السابق في جيش التحرير السيد عبود بوالصوف.

عبود بوالصوف- الرائد الجزائري السابق في جيش التحرير: أعتقد أن الجزائر قد دفعت في الثورة ثمنا باهظا وذلك للبدء بنوع من تحرر الشعب وقد أعطت المثال لغيرها من الدول. وخلال الثورة والحرب وخلال جميع المعارك كانت القوى الخارجية غالبا ما تخترق السلطات التي أوجدتها الثورة الجزائرية، هذه القوى المناوئة كان لها وجود هنا لمائة وثلاثين عاما، ثم بدا واضحا عام 1962 أن إعلان الأول من تشرين الثاني قد تعرض لخيانة كبيرة.

سامي كليب: هذه هي صورة عبود بوالصوف حين كانت ثورة تحرير استقلال الجزائر يانعة وهذه هي صورته اليوم تَختصر بين حنايا الوجه قصة رجل دغدغته الثورة التي التحق بها عام 1955 وهو في السادسة عشرة من العمر، لكنها لفظته حين لم يقبل بالأمر الواقع فتمرد واعتُقل وسُجن ولا يزال متمردا حتى اليوم رغم قوله لي بأنه ابتعد عن كل شيء وقطع الصلة بالسياسة وأهلها.

عبود بوالصوف: ولم تتعرض الجزائر فقط لسفك الدماء ففي كل مرة كنا نحاول فيها أن نخلق مبادرة أو نُسرّع في مجرى الأمور كنا نلاحظ أن الفقر كان يزداد، لم تكن الأرض تستجيب والجزائر لم تكن تعوض عن النقص، لم يكن لدينا أي شيء. لا أعرف العوامل المحركة للسياسة الجزائرية اليوم لكنها غير مرتبطة منذ زمن بعيد.


مقاومة الفرنسيين وظروف الاعتقال

سامي كليب: عبود بوالصوف الذي يعيش في منزل متواضع كان عَرف بعض الغنى ثم فقد كل شيء حين دفع ثمن تمرده ملاحقةً وسجناً وهو كان يُعرَف إبان الثورة الجزائرية باسم لطفي وولد عام 1938 في مدينة ميلة الواقعة في إقليم قسطنطين عاصمة الشرق الجزائري، تقلب في مناصب قيادية عسكرية هامة حيث وصل إلى رتبة رائد في هيئة الأركان العامة لجيش التحرير الجزائري. وما أن دخل العاصمة الجزائرية عام 1962، أي في عام الاستقلال، حتى انتهج المعارضة سبيلا لتحقيق الذات وهو ما كلفه غاليا في ثلاثة عهود جزائرية متعاقبة، في ظل أحمد بن بيلا رغم صداقته به لاحقا ثم هواري بومدين والشاذلي بن جديد ولكن ماذا عن بدايته؟ كيف قاوم الجيش الفرنسي ولماذا سُجن؟

عبود بوالصوف: لكن عندما عاد والدي من قسطنطين عثر في غرفتي على رزمة كاملة من المنشورات لم أكن قد وزعتها بعد، فانتابه الرعب لكوننا كنا نسكن بجوار الثكنة العسكرية، أخذ رزمة المنشورات وجاء لرؤيتي، قال لي أهذه لك؟ فأجبته أجل وهكذا طردني خارج المنزل وقال لي إن كنت تريد مقاتلة فرنسا فلن تفعل ذلك من منزلي وطردني من المنزل حوالي الساعة التاسعة ليلا.

سامي كليب: ماذا فعلت بعد أن طردك من المنزل؟

عبود بوالصوف: حاولت أن أبدو في أفضل شكل ممكن وخرجت، كانت الثكنة بالجوار وبما أنني كنت أمضى وقتي أمام الجنود الفرنسيين الذين يحرسون الثكنة رفعت يدي وحاولت التقدم باتجاههم كمن يريد تسليم نفسه. وعندما وصلت إليهم رجوت الحراس وقلت لهم أنا ذاهب لزيارة جدي وهو يحتضر، إنه والد أمي وأريد أن آخذ له بعض الأدوية وبما أنهم كانوا يعرفوننا هنا فقد كانوا يروننا طلابا نرتدي رابطات العنق وكانوا يحبوننا فقد سمح لي بالذهاب إلى منزل والد أمي في مكان قريب.

سامي كليب: أول عملية قمت بها ضد الفرنسيين هل تذكرها اليوم؟

عبود بوالصوف: العملية الحقيقية التي قمت بها ضد الفرنسيين كانت في فرنسا، فما أن وصلت إلى طنجة حتى ذهبت إلى الولاية اثنين وكنت أعرف الجميع والجميع يعرفني. وبقيت ثلاثة أيام في الولاية اثنين في شهر كانون الأول من عام 1955. وكانت المقاومة قد فقدت أسلحتها وإمكاناتها العسكرية بأكملها في تلك المبادرة في العشرين من آب عام 1955. وكنت أنا شابا لذلك قال لي البعض من قيادة الولاية اثنين وبالتحديد العربي المهيدي لم يَعرف أحد أنك ذهبت إلى مقر المقاومة، يجب أن ترجع مجددا.

سامي كليب: العربي المهيدي طبعا المقاوم الكبير الذي قتله الفرنسيون شنقا؟

"
في فرنسا كلفت بالإشراف على ما كان يُطلق عليهم المتطوعون للموت وأسموه تنظيميا بجيش التحرير الوطني، وفي سن الثامنة عشر أصبحت رئيس ما يُعرف اليوم بالإرهاب
"
عبود بوالصوف: قال لي لا يمكننا التضحية بك، أمامك مهام أخرى وسنرسلك إلى مكان ما وهكذا قرروا إرسالي إلى فرنسا، ذهبت إلى فرنسا واتصلت هنالك بالاتحاد الفرنسي في ليون في شهر حزيران من عام 1959 وهناك أوكلوا إليّ مسؤوليات الإشراف على الخلايا والمجموعات والأقسام، لكن ابتداء من شهر تشرين الثاني أو كانون الأول من عام 1956 كلفوني بالإشراف على ما كان يُطلق عليهم المتطوعون للموت وهذا ما يسمى اليوم بالإرهاب. وكانوا ينقلون إليّ الأسلحة كلها التي كانت موجودة في وسط وجنوب فرنسا وأسموا تنظيمي باسم جيش التحرير الوطني وكان ذلك في فرنسا وكان ذلك تحت تأثير عبد الله رمضان في ذلك الوقت. وهكذا وفي سن الثامنة عشر أصبحت رئيس ما يُعرف اليوم بالإرهاب.

سامي كليب: حدّثنا عن مثال وحيد، عن عملية قمت بها باسم هذا الفريق، فريق الإرهابيين الذي تسميه وهو في الواقع كان فريقا استشهاديا؟

عبود بوالصوف: على كل حال أعدَمت بأمر من جبهة التحرير الوطنية مُفَوّض الفرقة ماركت في منطقة ليون، كما أعدَمت الزعيم المصالي الذي جاء من بربل وكان اسمه طاهرات بعد ذلك بعدة أيام، كما أعدَمت أيضا مجموعة من المصاليين قيل إن الفرنسيين أرسلوهم أيضا من بروكسل. لقد قدت عددا من العمليات لكن العملية الأولى كانت إعدام ماركت مُفوّض الفرقة الذي كان يمارس الإرهاب على الجزائريين.

سامي كليب: حين تتحدث عن المصاليين يعني جماعة مصالي الحاج السياسي الجزائري المعروف.

عبود بوالصوف: كما كنت أقول لك فإنني استثنى مصالي فهو لم يكن على اتصال مباشر بالواقع وأعتقد أنه كان ضحية وكان المنادي الأول بالقومية الجزائرية، كان مناضلا لكن بسبب وجوده في السجن نشأت حركة المصالية وهي لا تمت له بصلة وكانت تتمتع بالإمكانات التكتيكية والاستراتيجية للأجهزة الفرنسية، استطاعت جمْع مجموعة من المناصرين لمصالي واستطاعت من خلال اسمه مهاجمة الحركة التي أوجدتها جبهة التحرير الوطنية. وكان هناك خلط بين مصالي والمصالية، كنا نعتبر حركة المصالية ألدّ أعداء الثورة الجزائرية وكان يتوجب تصفيتهم لكي نعطي للثورة الجزائرية قالبا جزائريا أصليا لديه الهدف نفسه. وهذا كان هدف جبهة التحرير الوطنية في ذلك الوقت.

سامي كليب: هل حضرتك قتلت شخصا هكذا وجها لوجه من أولئك الذين كنت تعتبرهم خونة؟

عبود بوالصوف: آسف على ذلك، لا أقول بأنني قتلت، بل أعدَمت البعض لأنهم كانوا يقولون لي إنه يجب فعل ذلك، كنت شابا، لعلها أمور لن أكررها ثانيا لكنني قمت بها في الماضي.

سامي كليب: بعد فترة مقاومة الفرنسيين على الأراضي الفرنسية وقتل العديد من الذين تعاملوا مع فرنسا وأيضا بينهم جزائريون اعتُقِلت، لا أدري إذا كنت اعتُقِلت وحيدا أم مع بعض الرفاق ولكن أخبرنا كيف حصل ذلك؟

عبود بوالصوف: كنت أنتقل كثيرا بين ليون وبوردو ومرسيليا وغرونوبل لتنظيم المجموعات وما إلى ذلك وهكذا تم إلقاء القبض عليّ، كنت في مطعم جزائري أتناول طعامي ولم يتم القبض عليّ كمن يريدون القبض عليه حيا في البداية طوقوا الحي بأكمله.

سامي كليب: لو فهمت جيدا ما تتفضل به.. يعني أحد رفاقك في جبهة التحرير هو الذي وشى بك من أجل الاعتقال؟

عبود بوالصوف: إما شخص واحد أو مجموعة اتفقت على إلقاء المسؤولية عليّ ولم يكن هناك وسيلة أخرى سوى مساعدة المخابرات الفرنسية على إلقاء القبض عليّ، ففي ذلك الوقت كانت المخابرات الفرنسية تَلحق بي في كل مكان وكنت دائما أنجح في الفرار، كنت ارتدي قبعة وأضح وشاحا حريريا، كنت أتنكر دائما، ثم إن شكلي لم يكن يختلف عن هيئة الفرنسيين أو الأوروبيين، لكن عندما اعتقلوني قاموا بتطويق المكان، لم تكن عملية مراقبة عادية، كانت عملية محضرة كي لا يَسمحوا لي بالهروب بأي وسيلة، بالإضافة إلى ذلك كانت جميع وثائقي معي فقد كنت قد أجريت لقاءات مع مجموعات من الاستشهاديين وكنت قد خططت لعمليات مستقبلية وكنت أحمل دفتر ملاحظاتي معي.

سامي كليب: وكيف حصلت عملية الاعتقال؟

عبود بوالصوف: كان هناك مجموعة تحيط بالمطعم من الخارج ودخل ثلاثة مفتشين بثياب مدنية وتوجهوا مباشرة إلى الطاولة، سألوني إن كنت فلانا؟ فأجبتهم بالإيجاب، فعندما قالوا اسمي لم أكن أستطيع النفي، طلبوا مني اللحاق بهم، نظرت إلى الخارج ثم تبعتهم، كان المكان مليئا بالجزائريين يتناولون طعام العشاء ولدى خروجي رأيت رجال شرطة بثياب مدنية وآخرين بثياب رسمية وأدركت أنني لا أستطيع الهرب ويتوجب عليّ الانصياع لهم واللحاق بهم وابتكار استراتيجية أخرى.

سامي كليب: هل كنت مسلحا؟

عبود بوالصوف: لا لم أكن أحمل سلاحي معي.

سامي كليب: بعدها نقلوك إلى السجن مباشرةً؟

عبود بوالصوف: اقتِدتُ إلى مركز الشرطة حيث بقيت هناك بين اثني عشرة وخمسة عشرة يوما حيث تم تعذيبي وكانوا تارةً يعذبوني وتارةً يعاملوني بلطف.


الزواج بمناضلة وأسباب معارضته لبومدين

سامي كليب: في السجن تعرف الرائد الجزائري السابق في جيش التحرير عبود بوالصوف على رفيقته في الزنزانة الفرنسية آنذاك السيدة الجزائرية الجميلة جميلة بوعزة. والسيدة جميلة التي تبدو اليوم واهنة ومريضة ومثقلة بهموم التاريخ والحاضر هي نفسها التي نراها في هذه الصورة فتاة جميلة مفعمة بالثورة ومناضلة شهيرة من مناضلات الاستقلال، إنها رفيقة درب جميلة بوحيرد وجميلة بوباشا، هي إحدى الجميلات الثلاث اللواتي ضربن المستعمر في الصميم ونقلن الثورة إلى مجدها التاريخي، في السجن الفرنسي تعرف عبود بوالصوف إلى جميلة بوعزة التي كانت أول مناضلة جزائرية تحكم عليها المحاكم العسكرية الفرنسية بالسجن المؤبد وفي السجن تزوجها وأتركهما يرويان القصة الجميلة.

جميلة بوعزة- زوجة عبود بوالصوف ومناضلة جزائرية: حدث كل شيء بطريقة غير عادية، فقد كنت سجينة ومعزولة تماما في سجن انفرادي، لذلك لم نكن نخرج كثيرا إلى الساحة وبعد عام تقريبا من السجن سمحوا لي بالخروج قليلا مع حارستي لجلب طبق طعامي، قاموا بفتح النافذة لتمرير الأطباق عبرها وكانت تطل على عنبر الرجال شاهدته وشاهدني ومنذ ذلك الحين حاولنا الاتصال مع بعضنا، كان يرسل إلى ملحوظات داخل الخبز وداخل إناء البطاطا.

سامي كليب: كنتِ تعرفي مَن هو ولا لا؟

جميلة بوعزة: تعرفت عليه من خلال الرسائل على قصاصات الورق التي كان يرسلها إليّ في الخبز. وهكذا عرفت أنني لم أكن السجينة السياسية الوحيدة في ذلك السجن.

سامي كليب: شو كتب بالخبز؟

جميلة بوعزة: كان يكتب داخل الخبز أشياء مثل أختي العزيزة لا تقلقي نحن هنا بقربكِ، إن احتجتِ إلى أي شيء فلا تترددي في أن تطلبيه منا. وكان يتم تمرير الرسائل بالطريقة نفسها أي على طبق الطعام عندما أعيد إناء البطاطا أو الخبز.

سامي كليب: هل كانت قصة حب؟

جميلة بوعزة: كان أشبه بالحب من النظرة الأولى، ثم أخذت أتبادل الحديث معه على عجل، ثم طالت أحاديثنا، ثم طالب أن نتقابل في قسم الزيارات وتقابلنا في قسم الزيارات، فقد سمحت لنا إدارة السجن بذلك ثم قررنا الزواج.

سامي كليب: كيف كانت شروط السجن.. سجنك؟ كانت صعبة؟

جميلة بوعزة: أجل كانت صعبة جدا، فقد كنت بمفردي طوال ثلاثة أعوام، لم أكن أخرج مع المعتقلات الأخريات، كنت أخرج بمفردي إلى الساحة وكنت وحيدة في الزنزانة.

سامي كليب: حضرتك من المناضلات الأوائل، من أولى المناضلات الجزائريات، ما الذي دفعكِ لقتال الفرنسيين والانضمام إلى صفوف الثورة الجزائرية؟

جميلة بوعزة: في ذلك الوقت كنت في سن السادسة عشرة أو السابعة عشرة وكانت تشدني المثاليات الوطنية. وفي ذلك الوقت كانت تجري الحرب في تونس وكنت أتتبع الصحف، كنت أشتري صحف (كلمة بلغة أجنبية) كل أسبوع. وعندما كنت في المدرسة كنت أحب التاريخ كثيرا، كما رأيت أننا كنا مستعمرين وكان يوجد في قلبي ذلك الحماس الوطني وكنا نحب المثالية وهكذا اشتركت.

سامي كليب: كنت عمليا شابا يعني في خلال فترة السجن في فرنسا وكنت تعرف أنه السيدة جميلة محكومة بالسجن مدى الحياة وحتى محكومة بالإعدام ورغم ذلك قررت الزواج منها واتخذت قرارا خطيرا، ما الذي دفعك لذلك؟

عبود بوالصوف: على أية حال كانت جميع خطواتنا في ذلك الوقت عشوائية وكان يحكمها عامل الصدف، لكن كانت لدينا قناعة شخصية عميقة أنه علينا الفوز بالحرب، ليس لأننا انتفضنا وأشعلنا الحرب فحسب بل أيضا لأنه كان هناك تطور شامل على امتداد العالم وكانت الحرب الجزائرية لم تكن الأولى، فقد سبق أن أظهرت الحرب في الهند الصينية أن هزيمة المستعمر ممكنة وقد أطاحت الثورة الصينية بجميع القوى الأجنبية التي فرضتها عليها معاهدة فرساي. وكنا نعرف أن قناعتنا الشخصية والجماعية والوعي الجماعي التاريخي كان متوفرا لدى الجميع وإن المعركة يجب أن تمر حتى النهاية. وفي مطلق الأحوال إن لم نستطع الفوز فقد أردت أن أترك أثرا لي وأؤكد لها أننا سنفوز وأن هذا الوضع سينتهي مع نهاية الحرب القريبة وأننا سنجد أنفسنا أحرارا من جديد ومنتصرين.

سامي كليب: من حياة السجون الفرنسية انتقل الرائد السابق في جيش التحرير الجزائري عبود بوالصوف إلى سجون رفاقه، فهو عارض بشدة الرئيس السابق هواري بومدين وحاول الانقلاب عليه، فكان نصيبه الملاحقة والسجن، فلماذا عارض بومدين رغم أن الرئيس الراحل لا يزال حتى اليوم يشكل في ضمير شعبه الجزائري الرجل الذي عرف كيف يضع الجزائر في مصاف أبرز الدول العربية والإفريقية والذي أعاد للمواطن الجزائري عزته وكرامته؟

عبود بوالصوف: كانت لديّ علاقات مع بن بيلا، فقد كان لدينا الحارس نفسه وكنا نتبادل الرسائل منذ دخولي إلى السجن، كنت أنا في نيواورلي وكان هو في سجن لندوري ومنذ ذلك الوقت حافظنا على علاقات تعمقت مع الوقت. وعندما تم إطلاق سراح بن بيلا وهو وأربعة آخرون جاؤوا جميعا لزيارتنا في قيادة الأركان العامة، فاستقبلناهم واستعدنا الذكريات وكل ذلك، عندها فقط تعرفت على بن بيلا شخصيا، في البداية لم نكن نعرف بعضنا شخصيا، لكننا كنا نعرف أفكار بعضنا البعض ورؤيتنا للثورة الجزائية وكنا نتفق على كل شيء. كان على بن بيلا العودة إلى تونس وعندها طلب من بومدين وقال له أود أن يكون لطفي.. كانوا يطلقون علي اسم لطفي..

سامي كليب [مقاطعاً]: الاسم الحركي..

عبود بوالصوف [متابعاً]: قال له أود أن تنتدب القيادة العامة لطفي لينضم إلى ما نطلق عليه اسم الخمسة، سواء اتفقنا على ذلك أم لا وأن يذهب معي إلى تونس، لم يتقبل بومدين ذلك بصدر رحب لكنه قبل على مضض وفهم أن هناك علاقة صداقة بيننا. وذهبت مع بن بيلا وبقينا معا أيام عديدة نأكل معنا في قرطاجة وفي سيدي بوسعيد وكنا نذهب إلى كل مكان معا. وجمّعت عددا كبيرا من الأصدقاء حول بن بيلا كاللواء وعمران وغيره وبالطبع خلال هذه الأيام من الحرية خلال تناول طعام العشاء والغذاء وهذه اللقاءات وتلك الأمسيات تعمقت لدينا تلك الفكرة حول النظام الاجتماعي السياسي الذي سيجد مكانا له ما أنْ تتحرر البلاد. عندما عدت إلى القيادة العامة فيما بعد أمرني بومدين باجتياز الحدود والانتقال إلى الولاية اثنين للتحضير لانقلاب عسكري في الولاية اثنين.

سامي كليب: انقلاب ضد من؟

عبود بوالصوف: الانقلاب كان ضد القيادة القائمة والتي اتخذت موقعا مناصرا للحكومة المؤقتة ضد القوات العسكرية.

سامي كليب: يعني مَن بالأسماء؟

"
أسست منظمة شبابية وقمت بتأميم العديد من المنشآت، ووضعت الأماكن الثقافية تحت سيطرة الشباب، وتم تعييني مسؤولا عن الولايات الثلاث
"
عبود بوالصوف: صوت العرب، اللواء صوت العرب والجماعة التي كانت معه، قيادة الولاية اثنين. كان علينا الإطاحة بهم وتعيين قيادة جديدة مكانهم، كنت أنا جزءاً منها، بالطبع حدث ما حدث، قبض علينا رجال صوت العرب ووضعونا في السجن ثم هربنا وذهبنا إلى الولاية واحد، حشدنا القوات وأنجحنا الانقلاب ووضعنا قيادة جديدة وأنا كنت مسؤولا عن المسائل السياسية العسكرية، كل يوم كنت أقيم مؤتمرا في قسطنطين كنا نسميه الجامعة الشعبية وكنت أُعلن عنها عن طريق صحيفة كنا نصدرها وكانت تضم طلاب المدارس والجامعات والشباب والنساء والجميع وكنت أُجري معهم كل مساء محاضرة ليس فقط في قسطنطين لكن أيضا في عنابة. وفي الرابع من آب تحديدا أقمت محاضرة في مسرح عنابة استمرت من الثامنة مساء وحتى الثامنة صباحا وفيها واجهت لوحدي وجهة نظر بومدين الذي أراد توزيع الأراضي وتجزئتها، قلت حينها لا، لا تُبنى الاشتراكية بالقيادة فقط لكن أيضا بالتعاون، القوى العاملة تعطي أفضل ما لديها ومريحة عندما تكون متكتلة. وفي نهاية كل محاضرة كنت أرسل تقريرا إلى بن بيلا أشرح له فيه ما فعلت، أقول له أسست منظمة شبابية، قمت بتأميم العديد من المنشآت نوعا ما، الأماكن الثقافية ووضعتها بين أيدي الشعب وتحت سيطرة الشباب، فكانت هناك منظمات شبابية عديدة وانطلاقا من ذلك قال لي بن بيلا اسمع سأعينك مسؤولا عن الولايات الثلاث وسنخلق قوى تُعادِل القوى العسكرية وسنقوم بتحقيق توازن جديد في القوى. وهكذا بدأت أعمل في بتنا وفي كل مكان حتى أنني تجاوزت صلاحياتي، كنت أذهب إلى الغرب حتى أعمل.

[فاصل إعلاني]

سامي كليب: كان بو مدين صار وزير للدفاع وأحمد بن بيلا رئيس للجمهورية، رئيس جمهورية لم يستطع حمايتك يعني حين تعرضت لهذا الهجوم من قبل رجال بومدين؟

عبود بوالصوف: لم أكن أحتاج لأن يشرف على حمايتي، كما كان لدي مناصرون في الجيش، حيث كنت معروفا ومحبوبا كثيرا، على كل حال كانت الاستخبارات العسكرية الأولى بقيادة النقيب عبد الحميد غرفي كانت تدعمني بالكامل، ما كان يهمني هو أن يقوم بومدين بتسريحي لكنه لم يكن يرغب بذلك.

سامي كليب: طبعا لا مجال للدخول في كل التفاصيل، ماذا فعلت؟ وأين اختلفت مع هذا أو ذاك؟ وماذا فعلت في وسط الجيش كنت رائدا في جيش التحرير؟ ولكن تقول.. يعني في أحد مقالاتك أو ربما المقابلات أنه بو مدين كان عميلا لدولة الاستعمار الفرنسي وكان حاميا للضباط الفرنسيين الذين التحقوا في صفوف الثورة في اللحظات الأخيرة لهذه الثورة، هل لازلت عند رأيك اليوم أم ربما نادم على ما قلت آنذاك؟

عبود بوالصوف: لم أندم على شيء، ربما يجب النظر إلى السؤال من زاوية أخرى، لم أتهم بومدين مباشرة بأنه عميل للاستعمار وما إلى ذلك، لكنني قلت إن السياسة التي كان يسعى لتطبيقها والأساس الذي كان يريد الاستناد إليه مع التحول الذي كان يحدث في جبهة التحرير الوطني التي اخترقها الأشخاص الجدد الذين جاؤوا من الخارج أصبح بسبب كل هذا الحليف المنطقي للاستعمار الجديد. وقد تعاظم ذلك الدور مع الأشخاص الذين انتسبوا للجيش الفرنسي والذين دفعتهم فرنسا للدخول إلى حزب جبهة التحرير الشعبية، فقد تحولت جبهة التحرير الوطني إلى جبهة التحرير الشعبية وكنت أعرف أن بومدين لم يكن يريد رؤية بن بيلا على رأس الجمهورية الجزائرية لثلاث أو أربع سنوات، أي ما يكفي من الوقت في تلك الأوضاع كي يوزع قوته في كل مكان وما أن يسيطر على الأرض مع القوة العسكرية حتى يصبح بغنى عن بن بيلا وبذلك كان يزيد من أمله في تحقيق هدفه في السيطرة على السلطة بأكملها. وبالنسبة لي كان ذلك يعني انتزاع الثورة من الشعب الجزائري، لم يكن الهدف إقصاء بن بيلا، بل كان الهدف هو النظام. وهنا قطعت علاقتي بالنظام في تلك اللحظة أدركت أن مَن يُفرق بيني وبين بن بيلا وبومدين، الجيش، كل ذلك.. ليس اختلافا في الرأي بل هو التفكير بحد ذاته، إنها رؤية العالم، فبعد الثمن الذي دفَعَته الجزائر كانت ستجد نفسها في وضع معقد للغاية وخاضعة لمصالح فقط بهدف السماح لبومدين الجلوس على رأس السلطة إلى الأبد.

سامي كليب: ولكنك طبعا تتهم الرئيس الراحل هواري بومدين بأنه كان خلف اغتيال العقيد لطفي الذي كان قائدا للولاية الخامسة؟

عبود بوالصوف: هذا ليس اتهاما، لقد قلت ما كان راسخا في قناعاتنا في ذلك الوقت ومنذ صدور القرار بوضع قوات المقاومة في الداخل تحت سيطرة قيادة الأركان العليا تكوّن ميزان قوى جديد ومنذ تلك اللحظة بدأ كل واحد من المسؤولين في القيادة بالعمل كي ينقلب ميزان القوى هذا ربما بما يخدم مصالحه ولطفي كان شخصا فعالا للغاية ومطّلعا وكان الجميع يعرفون أن بومدين لم يكن يحبه كثيرا بل كان يغار منه ووالدته هي التي قالت لي ذلك نقلا عن أناس كانت تعرفهم جيدا، والدته هي التي أعلنت هذا الاتهام على الملأ.

سامي كليب: ماذا كنت تعيب على الرئيس هواري بومدين؟ لماذا أردت الانقلاب عليه؟

عبود بوالصوف: المستمسَك الذي كان لديّ ضد هواري بومدين أمر واضحا وجلي وهو أنه أسس لنظام لم يحقق في مسؤوليات الأشخاص عند قدومهم من صفوف العدو، لقد وضع هؤلاء الأشخاص على رأس الوحدات الكبرى في الجيش، على رأس الفيالق، بينما قد سبق لهم العمل لدى العدو.

سامي كليب: بس التحقوا بالثورة عام 1957.. يعني كان قبل الاستقلال بخمسة سنوات؟

عبود بوالصوف: لا.. الوحيد اللي التحق بالثورة في 1957 وفي الجزائر من المقاومة هو عبد القادر شابو، الآخرين كلهم من بعد 1958 وشابو بقينا أنا وياه.. يعني بقينا أصحاب وبقينا عندنا علاقة طيبة وبقينا.. وكنت أنا في السجن وهو الوحيد اللي كان يدافع عليّ، عندما بدأ ألكسندر دومارانش والمخابرات الفرنسية يعرفون عن هذه القضية والمباحثات الجارية عندها فقط شرعوا في دفع الجزائريين الذين كانوا يعملون في الجيش الفرنسي للمجيء إلينا وقد استغلهم بومدين ليضع نفسه على قمة النظام وللسيطرة على كل القوى. وما أُعيبه عليه تحديدا هو الانقلاب العسكري الذي قاده عام 1965 لأنه لم يكن ضروريا قيادة انقلاب عسكري لإزاحة بن بيلا عن السلطة.


الانقلاب على بومدين والتمرد على بن جديد

سامي كليب: بس ولكن.. هل صحيح إنك حضرتك خططت أيضا لقلب بومدين عسكريا؟

عبود بوالصوف: بعض ما تقوله فعلا صحيح لقد حضرت لانقلاب، أردت قلب النظام فكما ترى بالنسبة لي لم يكن الأمر مجرد اختلاف في وجهات النظر بل كانت تلك كارثة.

سامي كليب: ولكن أخبرني كيف حضرتك لهذا الانقلاب؟

عبود بوالصوف: ذهبت أولا إلى ألمانيا وذهبت لمقابلة بومدين.

سامي كليب: في ألمانيا حيث درست؟

عبود بوالصوف: نعم كنت أدرس في المعهد الاتحادي لاستغلال الأراضي في ألمانيا، أرادوا طردي من ألماني وكان عليّ الذهاب إلى بون وما إلى ذلك وهناك قابلت هير بيرت فيمر الذي كان يحظى بمحبتي واحترام الألمان. وفي النهاية لم يطردوني فلدى عودتي إلى الجزائر وجدت الأمور قد تغيرت وأصبح الجيش في السلطة، بدأت الاتصال بالعسكريين الذين كنت أعرفهم ومن بين هؤلاء العسكريين كان هناك مناضلون ارتدوا الملابس العسكرية لخدمة وطنهم، فخلال اللحظات التاريخية المهمة كانوا مضطرين لحمل السلاح لذلك فقد انخرطوا في الجيش.

سامي كليب: اتصلت بهؤلاء الضباط العسكريين من أجل الانقلاب على بومدين؟

عبود بوالصوف: بالضبط، اتصلت بهم لأن لقائي بومدين لم يُفضِ إلى شيء، فعند قيام الانقلاب العسكري قلت له إن الثورة هي ثمرة جهد الشعب الجزائري بأكمله وإنه لا يجب أن تؤخذ السلطة بالقوة وعلى أي حال لم يكن واردا تطبيق الاشتراكية باستخدام البندقية، فالاشتراكية لا تؤسَّس عن طريق البندقية وإنما بخلق الفئات الاجتماعية ونحن نحتاج إلى واقع شعبي آخر، فنحن ونظرا لأننا كنا تحت سيطرة الاستعمار لم تكن هناك طبقات اجتماعية، فالمفهوم السياسي للشعب لم يكن بعيدا عن المحتوى الاجتماعي لواقعنا الشعبي.

سامي كليب: فلنبقى في هذه الخطة، إذاً اتصلت بالضباط ما الذي حصل فيما بعد؟

عبود بوالصوف: اتفق الضباط معي في الرأي وكان من بينهم عبد الغني كان قائد الفرقة الرابعة، ذهبت لزيارته في ويلبلاش وبقيت هناك عدة أيام أتباحث معه، ثم التقيت بسعيد عبيد الذي كان موجود هنا في عبنيدة ورأيت غيرهم من الضباط الذين اتفقوا معي.

سامي كليب: طاهر الزبيري اللي كان رئيس الأركان؟

عبود بوالصوف: اتصلت بطاهر الزبيري عن طريق صالح الصوفي رحمه الله والذي كان صديقي وكان عضوا في مجلس الثورة وكان ينقل لي دائما ما كان يحدث في مجلس الثورة.

سامي كليب: وانكشفت الخطة وتم اعتقالكم.. يعني كيف تم الكشف عن هذه الخطة وكيف حصل الاعتقال؟

عبود بوالصوف: كانت أجهزة الاستخبارات لدى بومدين تلاحق منظمات أخرى بعضها يعمل في الخفاء نوعا ما، فلم يكن هناك في ذلك الوقت إلا المنظمات السرية. وكانت هناك منظمات تدعم بن بيلا وأنا كنت قد اتصلت بجميع هؤلاء الأشخاص أي مع المنظمات السرية والطلاب والشرطة حتى أنه كان بعض ضباط الشرطة يعملون في منظمتي، كنت اتصلت بحرس الشرف لدى بومدين وحضرت لكل شيء وكنت أستطيع الإطاحة به وقتما أشاء، فقد كانت لدي كل القوى التي تؤمن الحماية لبومدين ومقر رئاسته وكل ما يحيط به.. كانت تحت سيطرتي.

سامي كليب: لماذا لم تقم بهذه العملية.. بالانقلاب عليه طالما كنت قادر على ذلك؟

"
كنت قادرا على تصفية بومدين جسديا لكن لم يكن ذلك هدفي، فكان الهدف البعيد لمعركتي هو حل المشكلة الجزائرية
"
عبود بوالصوف: كنت قادرا على تصفية بومدين جسديا لكن لم يكن ذلك هدفي، اقترح الكثيرون من أولئك الذين كانوا معي ذلك لكنني رفضت، كان الهدف البعيد لمعركتي هو حل المشكلة الجزائرية، كان يجب علينا أن نعود إلى الالتزام بإعلان الأول من نوفمبر/تشرين الثاني، كان يجب أن نوجد قوة قادرة على فرض تحرك سياسي حقيقي لحشد الشعب وكان على الشعب أن يتصرف بناء على نظام سياسي واجتماعي. وبعدها يمكننا جميعا أن نبدأ بالقيام بحملاتنا الانتخابية، لكن كان يجب في البداية أن أؤمن إخلاص عدد من الوحدات العسكرية الكبيرة.

سامي كليب: كُشِفت الخطة وتم اعتقالك عام 1966، ما الذي حصل وكيف حصلت عملية الاعتقال؟

عبود بوالصوف: في ذلك الوقت كنت أعمل تحت غطاء كامل من السرية، كنت أعود إلى الجزائر العاصمة لأقوم بالعمل المفروض عليّ مع الطلاب والشرطة وكل ذلك وعندما كنت أمضي الليلة في الجزائر العاصمة كنت أبيت في مركز الشرطة مع رجال الشرطة المناصرين لي.

سامي كليب: كانوا عارفين إنك راح تنقلب على بومدين؟

عبود بوالصوف: تماما وكان هناك ضابطا اسمه بن عيسى هو مَن وضع بين يدي كل موارده وحتى مزرعة عائلته في تنس التي كانت على شاطئ البحر وكان فيها كهف نستطيع الخروج منه وركوب مركب في البحر مباشرة، هناك كان مركزي الأساسي. وكنت أقوم بعملي على عجل وكنت أغلق الحدود، ذهبت إلى لاجوات وأوران وإلى مختلف الأماكن. وعندما اكتشفوا المخطط الذي وضعته وأدركوا أن الأمور كانت في مرحلة متقدمة ركزوا كل قوتهم علي ولسوء الحظ وفي الوقت نفسه كانت زوجتي مريضة وكانت في مستشفى للأمراض النفسية بالقرب من بلكور في الجزائر العاصمة وعندما أرسلت أحدهم في محاولة لإخراجها من المستشفى قالوا لا.. هذا مستحيل ما لم يطلب زوجها ذلك بنفسه ويوقّع على الأوراق فلا أحد يستطيع إخراجها. ولم أكن أستطيع أن أترك زوجتي في المستشفى فذهبت إلى هناك ووقّعت على طلب للسماح لها بالخروج وجئت بزوجتي إلى هنا وعندما دخلنا حوصر المكان، الحي بأكمله كان مطوقا وكان جاري يراقب ما يجري من النافذة وحين دخلت جاء وقرع الباب وعندما فتحت قال لي انتبه الحي بأكمله مطوق وكذلك المنزل وكان موجودا عندما حضرت القوى العسكرية وكنت قد اصطحبت معي في السيارة النقيب محمد الصالح عواشرية الذي كان مسؤولا عن تأمين سلامة الشخصيات المهمة وكان يعمل في منظمتي. وعندما جاؤوا فتحنا الأبواب وملأت المخابرات العسكرية المنزل وأمروا الجميع أن يلزموا أماكنهم، نهض النقيب وكان يرتدي ملابسه العسكرية ورتبه وما إلى ذلك لكنهم قالوا له ألا يتحرك وطلبوا من الجميع عدم الحركة وقبضوا على الجميع وهكذا قبضوا علينا.

سامي كليب: طيب سُجِنت وعُذِبت قليلا وكانت زوجتك السيدة جميلة مريضة، هل استطعت الاتصال فيها للاطمئنان عليها؟

عبود بوالصوف: حين ذهبت زوجتي وقرعت كل الأبواب تسأل عن مكاني لم يكن أحد يخبرها بأي شيء، كنت قد تركتها لفترة طويلة في المستشفى.. لشهرين تقريبا ولم تكن تعرف مكاني وأخيرا عندما نقلت إلى سجن دلحراج استطاعت الاتصال بالمسؤولين وسألت عن مكاني فأجابوها بأنني في سجن دلحراج أي السجن المركزي وعندها اتصلت بالسلطات القضائية وحصلت على إذن بالزيارة، جاءت لزيارتي واستغرق ذلك زمنا طويلا، لكن السلطات اتصلت بي في السجن وكان الحزب يرسل إليّ أناسا طوال الوقت بأوامر من بومدين وأرسلوا لي تبت الصديق الذي كان في ذلك الوقت رئيس المحكمة الخاصة للتفاوض معي.

سامي كليب: هو اللي عرض عليك وزارة.. وزارة النفط؟

عبود بوالصوف: في البداية أراد خداعي فقال إنه لم يعد لنا قائد يتحلى بالنزاهة وبالحس الوطني وإننا من عائلة واحدة وكل ذلك الكلام، قلت له إن كل ما وضعوه في ملفي كاذب، لم أكن أريد اغتيال أحد، فقد وضعوا في ملفي أنني كنت أريد اغتيال بومدين وبن شريف والآخرين كلهم، بينما أنا في الحقيقة لم أكن أريد ذلك. والواقع أنه تم القبض على جميع رجال الأمن المقربين من بومدين معي وجميعهم قالوا إنني لم أكن أريد اغتياله.

سامي كليب: لم تقتصر معارضة الرائد الجزائري السابق عبود بوالصوف على الرئيس الراحل هواري بومدين وإنما استمر بتمرده في عهد الرئيس السابق الشاذلي بن جديد والمعروف أن الجزائر التي عرفت انتعاشا اقتصاديا في عهد بومدين بفضل الثورة النفطية، رغم ما يقال عن أن بومدين ضحى بالزراعة لأجل الصناعة فقتل الاثنتين، الجزائر عرفت في عده الشاذلي بن جديد مشاكل عديدة قبل أن يُضطر الشاذلي للاستقالة من رئاسة بلد غرق بحرب دموية ضروس بين السلطة والجماعات الإسلامية المسلحة بعد حل الجبهة الإسلامية للإنقاذ وفي عهد الشاذلي بن جديد تعرض ضيفنا للاعتقال ثلاث مرات وأخضِع للتعذيب.

عبود بوالصوف: لا أعرف بن جديد شخصيا، لكن علاقتي بالنظام عامة كانت تصادمية، لم أكن أهتم ببن جديد وكنت أعرف ما يحكى عنه. وبالنسبة لي كانت صدمة عندما علمت أن بن جديد وصل إلى مقاليد الحكم، لقد دفعت الجزائر الكثير كي ترى بن جديد على رأس السلطة.

سامي كليب: تتهم نظام الرئيس الشاذلي بن جديد بأن حاول اغتيالك عام 1979؟

عبود بوالصوف: لم أكن في المنزل كنت في الخارج مختبئا وعثر عليّ علي يحيى وأتصل بي وأوصل لي خبرا بأن ألتقي به في مكتبه بمنزله، أذكر أنني ذهبت لزيارته في السادس والعشرين أو السابع والعشرين من أيلول وكانت الإضرابات قد بدأت في رويبا وبدأت الأوضاع تضطرب وكان اختطاف عام 1988 قيْد التحضير، قال لي علي يحيى لقد علمت من مصادر أكيدة أن بن جديد قد اتخذ رسميا قرار اغتيالك وقال لي إن لم تَجر الأمور كما هو مخطط لها عليك استغلال الوضع لتصفيته، هذا ما قاله لي علي يحيى عبد النور، لكن عندما قبض علي بن جديد أخذني إلى الصحراء وتركني بمفردي في الجزء الشرقي منها.

سامي كليب: بالسجن يعني؟

عبود بوالصوف: لقد ألقى بي في السجن في الصحراء بكل بساطة، في قلب الصحراء بمفردي وأحرقوا أوراقي، تظاهروا بأنهم يحتفظون بأوراقي ورفضوا إعادتها لي، بينما في الحقيقة كانوا قد أحرقوها. وكانت ميديا قد بدأت تعلن أنني لست ميتا، فقد كان بن جديد يعلن أنه لا يعرف مكاني وكان يقول إنني شخص مضطرب ولا أستطيع العيش دون مشاكل وأنني بالتأكيد قد التحقت بالمقاومة وأنني قطعت علاقتي بالنظام القديم بينما كنت في حقيقة الأمر في الصحراء ولحسن الحظ كان هناك فريق من الألمان الذين تعطلت سيارتهم في الصحراء، جاؤوا بي إلى مخفر الشرطة حيث سلموني وبما أنني كنت أتكلم الألمانية جيدا حضرت قصاصة ورق ودونت لهم عنوان زوجتي في سويسرا وأثناء كلامنا قلت لهم إنني سجين وما إلى ذلك ولا أحد يعرف مكاني ومررت لهم قصاصة الورق أثناء مصافحتي إياهم وقد اتصلوا بزوجتي بالفعل في سويسرا وهي قامت بدورها بإبلاغ الصحافة بأنني كنت في الصحراء وبدأت ميديا تقول إن بوالصوف معرض لخطر الموت وإنه مضرب عن الطعام في الصحراء.

سامي كليب: ميديا طبعا الإذاعة المغربية، طيب سيد بو الصوف.. يعني الواحد حين نلاحظ تاريخك نجد أنه لديك الكثير من البطاقات التابعة لجيش التحرير الوطني، بطاقات تؤكد أنك كنت فعلا مجاهدا في جيش التحرير ومقاوما للاستعمار ولكن في الوقت نفسه.. يعني نلاحظ إنه لم تحصل على شهادة إدارية بأنك كنت مجاهدا أو مقاوما وأيضا على وسام إلا ابتداء من العام 1994 أول شهادة إدارية ووسام حصلت عليها عام 1999، هل تشعر إنه السلطات الجزائرية.. يعني تعرضت لك ولسمعتك لسبب شخصي أم بسبب مواقفك السياسية أم لأنها كانت خائفة منك؟ وهل اليوم.. يعني تعتبر أنه الجزائر لم توفك حقك؟

عبود بوالصوف: لست فخورا ولا حاقدا، لقد ابتعدت عن الأحداث وفصلت نفسي عنها وقد كان مسارنا صعبا وكل ما أنظر إليه هو أننا عشنا فترة خلقت لنا مهاما خاصة، اتفقنا أحيانا واختلفنا أحيانا أخرى، دائما كنت ألتزم بمسؤولياتي، أشعر أنني راضي، أي أنني مرتاح الضمير، يمكنني القول أنني ما كنت لأستطيع أن أفعل أكثر مما فعلت، لسوء الحظ أنا نادم على قيامي ببعض الأمور، كما قلت قبل قليل أنا نادم على إعدام بعض الأشخاص وأنا نادم لأن الثمن الذي دفعناه لم يحقق الغاية التي كنا نطمح إليها.

سامي كليب: حين ودعت الرائد السابق في جيش التحرير الجزائري عبود بوالصوف مع زوجته المناضلة جميلة بوعزة وابنتهما نجلا، أكدت لي نجلا أن والدها لم يتحدث مطلقا عن تاريخه، لم يتحدث لأحد وقَبِل الحديث اليوم لشعوره بأن التاريخ قد ظلمه، فذنبه الوحيد هو أنه تمرد من منطلق مبادئ وقيم، ربما تمرد خطأ وربما كان عنيدا أكثر من اللازم ولكنه لم يتمرد لأجل مال أو جاه وإنما لأجل حياة أعتقَد أنها تستحق أن تُبنى على غير المصالح.


المصدر: الجزيرة
احفظ وشارك طباعة الصفحة إرسال المقال
فلسفة الثورة الجزائرية
الاستشراق الفرنسي وتعدد مهامه خاصة في الجزائر
المسار السياسي الجزائري الحديث
محطات سياسية للجيش الجزائري
جدل حول الاستعمار الفرنسي للجزائر
لندن تنفي معارضتها نقاش غولدستون
مقتل جندي أميركي بالعراق
عريقات: الاستيطان ينهي خيار الدولتين
أمير قطر يزور إيران
إسرائيل تصادر سفينة محملة بالأسلحة
البث الحي|مكتبة التقارير|برامج القناة|تعريف بالخدمة|كيف تبدأ
جميع حقوق النشر محفوظة2000- 2009م(انظر اتفاقية استخدام الموقع)