قال الصحفي الأميركي الشهير سيمور هيرش في مقاله الذي نشرته مجلة نيويوركر تحت عنوان "تهيئة ساحة الحرب" إن واشنطن سعت بكل ما أوتيت من قوة لزعزعة الاستقرار في إيران تمهيدا لشن الحرب عليها، عبر القيام بنشاطات سرية ودعم الأقليات المنشقة عن الحكومة في طهران، وهذا نص المقال:
في أواخر العام الماضي وافق الكونغرس على طلب الرئيس الأميركي جورج بوش الرامي إلى تمويل تصعيد كبير لعمليات سرية ضد إيران، وفقا لمصادر سابقة وحالية في أجهزة المخابرات والكونغرس والجيش. وقد ورد ذكر هذه العمليات -التي طلب الرئيس تمويلها بمئات الملايين من الدولارات- في تحقيق رئاسي وقعه بوش، حيث صممت تلك العمليات لزعزعة استقرار القيادة الدينية في البلاد.
واشتملت النشاطات السرية على دعم الأقليات مثل الأهواز العرب والجماعات البلوشية فضلا عن منظمات منشقة أخرى. كما تضمنت جمع معلومات استخبارية حول برنامج إيران النووي المشتبه به.
" اشتملت النشاطات السرية الأميركية في إيران على دعم الأقليات مثل الأهواز العرب والجماعات البلوشية فضلا عن منظمات منشقة أخرى, كما تضمنت جمع معلومات استخبارية حول برنامج إيران النووي المشتبه به " |
العمليات السرية ضد إيران ليست بالأمر الجديد. فقد كانت قوات العمليات الخاصة تقوم بعمليات على الحدود جنوب العراق بتخويل رئاسي منذ العام الماضي.
وتمحورت تلك العمليات حول إلقاء القبض على أعضاء في الجناح المسلح للحرس الثوري الإيراني المعروف بالقدس، ونقلهم إلى العراق للتحقيق معهم، وملاحقة أهداف تعرف بأنها ذات قيمة عالية ضمن حرب الرئيس على الإرهاب، بالقتل أو الاعتقال.
ولكن حجم وهدف العمليات في إيران التي شاركت فيها وكالة المخابرات المركزية الأميركية وقيادة العمليات المشتركة (JSOC) قد اتسع نطاقها في إيران، بحسب مسؤولين سابقين وحاليين. كما أن تفاصيل تلك النشاطات لم تحدد طبيعتها في التحقيق الجديد، ما أثار تساؤلات كبيرة حول طبيعتها لدى العديد من قادة الكونغرس.
وفقا للقانون الفدرالي فإن أي تحقيق رئاسي في غاية السرية، يجب الإعلان عنه بمجرد البدء بعمليات المخابرات السرية، وخاصة أمام القيادات الديمقراطية والجمهورية في مجلسي الشيوخ والنواب والأعضاء الكبار في وكالات المخابرات الهامة المعروفة بـ"عصبة الثمانية" حيث يتم بعدها إعادة برمجة تمويل هذه العملية من عمليات سابقة حسب الحاجة، من قبل لجان الكونغرس ذات الشأن التي يجب هي الأخرى أن تطلع على العمليات.
قال شخص مطلع على محتويات التحقيق وشارك في "العمل مع مجموعات معارضة وتمرير الأموال" إن "التحقيق كان يتمحور حول تقويض الطموحات النووية الإيرانية، والحكومية من خلال تغيير النظام". وأضاف "قدم التحقيق نطاقا جديدا من النشاطات في جنوب إيران وفي المناطق، خاصة الغربية منها، التي يقوى فيها عود المعارضة السياسية البلوشية.
رغم أن القلق بشأن طبيعة التحقيق انتاب بعض المشرعين، و"كان هناك نقاش حاد على مستويات عالية" حسب مصادر مطلعة، فإن تمويل التصعيد حظي بالموافقة.
وبعبارة أخرى، فإن بعض الأعضاء في القيادة الديمقراطية -التي تسيطر على الكونغرس منذ انتخابات 2007- كانت على استعداد للتعاطي سرا مع الإدارة في توسيع نطاق النشاطات السرية الموجهة ضد إيران، رغم أن مرشح الحزب المفترض للرئاسة باراك أوباما قال إنه يفضل المحادثات المباشرة والطرق الدبلوماسية مع إيران.
وكان طلب التمويل قد جاء في نفس الفترة التي حاولت فيها الإدارة التعاطي مع تقييم المخابرات القومي (N.I.E) الذي صدر في ديسمبر/كانون الأول والذي توصل إلى أن إيران أوقفت نشاطها النووي عام 2003.
الإدارة من جانبها قللت من أهمية ذلك التقييم، وقد استمرت -رغم قولها إنها ملتزمة بالدبلوماسية- في التأكيد على أهمية العمل العاجل لمواجهة التهديد النووي الإيراني.
الرئيس بوش شكك بنتائج التقييم، وسار على خطاه كل من وزير الدفاع روبرت غيتس ووزيرة الخارجية كوندوليزا رايس، فضلا عن المترشح الجمهوري للرئاسة جون ماكين.
في هذه الأثناء أحيت الإدارة الاتهامات القائلة إن القيادة الإيرانية شاركت في قتل جنود أميركيين بالعراق: سواء بطريقة مباشرة عبر إرسال وحدات مغاوير إلى داخل العراق، أو غير مباشرة من خلال تقديم المواد المستخدمة في القنابل المزروعة على جوانب الطرق، وفي وسائل أخرى مميتة. (هناك شكوك حول دقة تلك المزاعم، فكانت صحيفة تايمز البريطانية من بين من أورد بأن غموضا كبيرا ما زال يحيط بمدى التورط الإيراني).
القادة العسكريون والمدنيون في وزارة الدفاع (البنتاغون) يشاطرون البيت الأبيض قلقه حول الطموحات النووية الإيرانية، بيد أن هناك خلافا حول ما إذا كانت الضربة العسكرية هي الحل الأمثل.
" بعض مسؤولي البنتاغون يعتقدون كما أبلغوا الكونغرس والإعلام، أن قصف إيران ليس ردا عمليا لقضية الانتشار النووي، وأن المزيد من الدبلوماسية ضروري " |
بعض مسؤولي البنتاغون يعتقدون كما أبلغوا الكونغرس والإعلام، أن قصف إيران ليس ردا عمليا لقضية الانتشار النووي، وأن المزيد من الدبلوماسية ضروري.
عضو في مجس الشيوخ قال لي إنه في أواخر العام الماضي التقى روبرت غيتس بالتجمع الديمقراطي في الكونغرس على غداء غير رسمي (تعقد مثل تلك الاجتماعات بشكل دوري) وحذر من عواقب ضرب إيران قائلا -بحسب العضو في الكونغرس- "سنخلق جيلا من الجهاديين، وسيضطر أحفادنا إلى مقاتلة أعدائنا في ديارنا".
فكانت تعليقات غيتس صدمة للديمقراطيين على الغداء، وقد سأل عضو في الكونغرس ما إذا كان غيتس يتحدث باسم بوش أو نائبه، ليجيب غيتس "أنا أتحدث بالنيابة عن نفسي". المتحدث الرسمي باسم غيتس أكد أنه ناقش عواقب قصف إيران في الاجتماع، ولكنه لم يفصح عما قاله دون أن يطعن في وصف عضو مجلس الشيوخ.
هيئة الأركان المشتركة التي يترأسها الأميرال مايك مولين كانت "تدفع بشدة بالأمور في الاتجاه المعاكس لضغط البيت الأبيض الرامي إلى توجيه ضربة عسكرية ضد إيران" كما قال لي شخص مطلع على التحقيق. وعلى غرار ذلك، قال مستشار في البنتاغون شارك في الحرب على الإرهاب "ما لا يقل عن عشرة ضباط كبار بمن فيهم قادة قتال قادوا عمليات عسكرية في العالم، أثروا كثيرا في هذه المسألة".
أكثر الضباط وضوحا كان الأميرال ويليام فالون الذي ترأس حتى وقت قريب القيادة الأميركية الوسطى، وتحمل مسؤولية القوات الأميركية في العراق وأفغانستان.
ففي مارس/آذار قدم فالون استقالته تحت الضغط بعد أن قام بسلسلة من المقابلات التي توضح تحفظاته حول الهجوم العسكري على إيران. فمثلا، قال أواخر العام الماضي لصحيفة فايننشال تايمز البريطانية إن "الهدف الحقيقي للسياسة الأميركية هو تغيير سلوك الإيرانيين، وإن الهجوم عليهم كوسيلة لتحقيق ذلك الهدف لا يبدو من وجهة نظري هو الخيار الأول".
الأميرال فالون أقر عندما تحدثت معه في يونيو/حزيران بأنه سمع أن ثمة أناسا في البيت الأبيض كانوا مستائين من تصريحاته العلنية. "العديد من الناس يعتقدون بأن أمامك خيارين فقط: إما مع أو ضد الإيرانيين" كما قال لي. وأضاف "لنكن جديين ثمانون مليونا يعيشون هناك، وكل واحد هو فرد قائم بذاته، والاعتقاد بأن هناك واحد فقط من خيارين ضرب من الهراء".
وعند الحديث عن حرب العراق، قال فالون "هل تذمرت حول أي شيء تم اقتراحه في ذلك الشأن؟ أتحدى. رغم أن بعضها كان في غاية الغباء".
موافقة القيادة الديمقراطية على الالتزام بضخ ملايين الدولارات لصالح العمليات السرية في إيران كان أمرا لافتا في ظل المخاوف العامة لدى المسؤولين أمثال غيتس وفالون وآخرين.
"وعملية المراقبة لم تجر بشكل سليم فقد كانت تحت إشراف الإدارة" كما قال الشخص المطلع على التحقيق. "عملية المراقبة فاسدة، وهذا الشيء الذي نجيزه أمر خطير".
عضو ديمقراطي كبير في الكونغرس قال لي إنه كانت لديهم مخاوف بشأن الاحتمال بأن فهمهم لما تنطوي عليه العمليات الجديدة يختلف تماما عن مفهوم البيت الأبيض. إحدى القضايا المتعلقة بذلك هي الإشارة في التحقيق، -كما قال الشخص المطلع- إلى العمل الدفاعي القاتل من قبل منفذي العمليات الأميركيين في إيران. (في مطلع مايو/أيار، نشر الصحفي أندرو كوكبيرن عناصر التحقيق في مجلة كاونتربونتش).
مسؤول سابق في المخابرات قال إنه تم إدخال عنصر اللغة في التحقيق بطلب من سي آي أيه. العمليات السرية التي أعدت في التحقيق تسير بالتوازي جنبا إلى جنب مع تلك العمليات التي تقوم بها قوات المهام العسكرية الآن في إيران، وهذا يتم تحت إشراف قيادة العمليات المشتركة (JSOC).
ووفقا لتفسير إدارة بوش للقانون، فإن النشاطات العسكرية السرية، خلافا لعمليات سي آي أيه السرية، لا ينبغي توضيحها في التحقيق، لأن الرئيس يملك حقا دستوريا بقيادة القوات القتالية في الميدان دون الرجوع إلى الكونغرس.
ولكن الحدود بين العمليات ليست دائما واضحة المعالم: في إيران، عملاء سي آي أيه والقوى الإقليمية لديها مهارات لغوية ومعرفة باللغة المحلية تؤهلها للاتصال مع منفذي العمليات التابعين لـJSOC، ويعملون معهم لتمرير المنفذين والأموال والمواد إلى إيران القادمة من قواعد غامضة غرب أفغانستان.
ونتيجة لذلك، قدم الكونغرس وجهة نظر جزئية حول كيفية استخدام الأموال التي يصدق عليها. إحدى الأمور المنوطة بقوات المهام الخاصة لـJSOC التي تقضي بملاحقة "أهداف ذات قيمة عالية" لم ينص عليها التحقيق بشكل مباشر.
إن ثمة إدراكا متناميا في أوساط بعض المشرعين بأن إدارة بوش في السنوات الأخيرة دمجت بين العمليات الاستخبارية والعسكرية كي تتجنب تبليغ الكونغرس بكل ما تفعله.
"هذا أمر هام جدا" يقول المطلع على التحقيق. "إن سي آي أيه احتاجت التحقيق للقيام بعملها التقليدي، ولكن التحقيق لا ينطبق على JSOC". وكان الرئيس بوش قد وقع على أمر تنفيذي بعد أحداث 11 سبتمبر/أيلول يمنح فيه البنتاغون رخصة للقيام بأعمال لم تستطع القيام بها دون إخطار الكونغرس.
وينطوي الطلب على قيام الجيش "بتهيئة مساحة للمعركة" وباستخدام ذلك المصطلح يستطيعون تحاشي مراقبة الكونغرس. "كل شيء كان مبررا في ظل الحرب على الإرهاب".
ويضيف المطلع أن "الإدارة الأميركية تعمل على تضبيب الخطوط: كان دائما هناك ظل رمادي –بين العمليات التي يطلع عليها القادة في الكونغرس وبين ما لا يطلعون عليها- ولكن الآن الظل واه".
" موافقة القيادة الديمقراطية على الالتزام بضخ ملايين الدولارات لصالح العمليات السرية في إيران كان أمرا لافتا في ظل المخاوف العامة لدى المسؤولين أمثال غيتس وفالون وآخرين " |
المسؤول السابق في المخابرات قال لي إن "الوكالة تقول إنها لن تقدم على المساعدة في قتل الناس دون تحقيق". لقد كان يشير إلى التهديد القاتل الذي يواجه بعض عملاء الوكالة لمشاركتهم في تسليم المعتقلين والقيام بتعذيب المشتبه بهم في إطار الحرب على الإرهاب.
"هذا ما أثار سخط العسكريين" كما قال. وبقدر ما كانت سي أي أيه قلقة، (قال المسؤول السابق في المخابرات إن التخويل الكامل يشتمل على القتل، رغم أن ذلك لم يكن جزءا مما أعد لهم). فقد كان الأمر يتعلق بجمع معلومات وتقديم الدعم. والتحقيق الذي أرسل إلى الكونغرس كان تسوية توفر الغطاء القانوني لسي أي أيه في حين أنها تشير إلى استخدام القوة القاتلة ضمن تعابير غامضة.
إن لغة الدفاع المميتة دفعت ببعض الديمقراطيين -حسب مصادر في الكونغرس مطلعة على وجهات النظر هناك- إلى استدعاء مدير سي أي أيه والقوات الجوية الجنرال مايكل هايدن إلى اجتماع خاص أكد فيه أمام المشرعين أن اللغة لم تضف شيئا أكثر من توفير السلطة لمنفذي العمليات في القوات الخاصة على الأرض في إيران، لإطلاق النار إذا ما تعرضوا للاعتقال أو الأذى.
المشرعون من طرفهم لم يقتنعوا بذلك، فكتب أحد رجالات الكونغرس رسالة شخصية إلى الرئيس بوش يصر فيها على أنه "لا عمل مميتا" قد خول به داخل الحدود الإيرانية. ومنذ يونيو/حزيران لم يتلق أي جواب.
أعضاء الكونغرس أعربوا عن شكوكهم في الماضي إزاء المعلومات التي قدمها البيت الأبيض. وفي 15 مارس/آذار 2005، أعلن ديفد أوبي الذي كان عضوا ديمقراطيا بارزا في لجنة الاعتمادات التابعة للبرلمان إبان سيطرة الجمهوريين على الكونغرس، أنه تجاهل تعديلا كان ينوي أن يقدمه ذلك اليوم، وأن ذلك من شأنه أن يقطع التمويل عن برامج الاستخبارات القومية إذا لم يوافق الرئيس على إبقاء الكونغرس على علم بالنشاطات العسكرية السرية التي تجري في إطار الحرب على الإرهاب.
وقد غير رأيه، كما قال، لأن البيت الأبيض تعهد بالمزيد من التعاون. "الفرع التنفيذي فهم أننا لا نحاول أن نملي ما يفعلوه" قال ذلك في كلمة ألقاها في ذلك الوقت. "نحن نحاول بكل بساطة أن نرى أن ما يفعلونه يتطابق مع القيم الأميركية ولن يدخل البلاد في مشاكل".
أوبي رفض أن يعلق على طبيعة العمليات في إيران، ولكنه أوحى لي أن البيت الأبيض نكث عهده بشأن استشارة الكونغرس. وقال "أشك بأن شيئا من هذا القبيل يجري، ولكن لا أعرف ما يمكن تصديقه".
تشيني كان يريد دوما ملاحقة إيران، ولو كان لديه مزيد من الوقت لوجد طريقا لذلك. ما زلنا لا نملك معلومات كافية من الوكالات، ولدي ثقة ضئيلة جدا بأنها ستزودنا بمعلومات قائمة على أسس وطيدة.
لم يعلق على التحقيق أحد من الديمقراطيين الأربعة في عصبة الثماني سواء رئيس الأغلبية في الشيوخ هاري ريد أو رئيسة البرلمان نانسي بيلوسي أو رئيس لجنة المخابرات في مجلس الشيوخ جون روكفلر أو رئيس لجنة المخابرات التابعة لمجلس النواب سيلفستر رييز، مع إشارة البعض إلى أن الأمر في غاية السرية.
واكتفى مساعد أحد أعضاء القيادة الديمقراطية -متحدثا عن نفسه- بالإشارة إلى قيود عملية عصبة الثماني. إن الإخطار بالتحقيق، كما يقول المساعد "مجرد إخطار ولا يشكل دليلا على البدء بالنشاطات".
والمراقبة المناسبة لنشاطات الاستخبارات المستمرة تجري باطلاع كامل من قبل أعضاء لجنة المخابرات. ومع ذلك، لدى الكونغرس الوسائل التي يتحدى فيها البيت الأبيض عندما يتلقى التحقيق.
إن لدى الكونغرس السلطة لحجب التمويل عن أي عملية حكومية. كما يمكن لأعضاء القيادة الديمقراطية في مجلسي الشيوخ والنواب المخولين بالاطلاع على التحقيق، إذا ما أرادوا ذلك، أو إذا ما انتابتهم نفس المخاوف، أن يخرجوا بأساليب لبذل كل ما يستطيعوا من نفوذ للتأثير على سياسة الإدارة. متحدث باسم سي أي أيه قال "من القواعد أن لا نعلق بأي طريقة كانت على المزاعم المتعلقة بالنشاطات السرية أو النتائج المزعومة". البيت الأبيض أيضا رفض التعليق على ذلك.
" من مفارقات رحيل الأميرال فالون أنه كان في كثير من الأحوال على توافق مع الرئيس بوش بشأن التهديد الذي تشكله إيران. فقد كانت تربطهم علاقات عمل وطيدة " |
عضو في لجنة الاعتمادات التابعة لمجلس النواب أقر بأنه رغم النصر الديمقراطي في انتخابات نوفمبر/تشرين الثاني، فإن "الأمر قد يستغرق عاما آخر قبل بسط السيطرة على نشاطات المخابرات" ومضى يقول "نحن نتحكم بالأموال ولا يستطيعون القيام بشيء دون المال. فالمال كل شيء. ولكن ينتابني شكوك بهذه الإدارة". وقال "هذه الإدارة اتسمت بالسرية التامة".
من مفارقات رحيل الأميرال فالون أنه كان في كثير من الأحوال على توافق مع الرئيس بوش بشأن التهديد الذي تشكله إيران. فقد كانت تربطهم علاقات عمل وطيدة، كما قال لي فالون.
وعندما أدار القيادة المركزية الأميركية في الحرب على الإرهاب (CENTCOM) كانا على اتصال دائم. في 4 مارس/آذار أي قبل أسبوع من استقالته، أدلى فالون بشهادته أمام لجنة الخدمات العسكرية التابعة لمجلس الشيوخ بأنه كان "متحمسا للوضع في العراق وأفغانستان".
وحول الدور الذي يلعبه قادة إيران، قال "لم يكن إيجابيا على الإطلاق، وكان مدمرا، ولم أتغاض عن أي من نشاطاتهم. ولم أر حتى الآن عملا تقوم به إيران منذ أن كنت في عملي يوحي بأن طهران تقوم بشيء إيجابي يساعد المنطقة".
أوضح فالون لي في حديثنا بأنه يعتبر أنه من غير المناسب التعليق علنا على الرئيس أو نائبه أو على العمليات الخاصة. ولكنه قال إنه سمع أن البعض في البيت الأبيض يناهضون وجهة نظره حول إيران.
"عندما توجهت إلى CENTCOM، كان الإيرانيون يمولون كل كيان داخل العراق. فقد كان من مصلحتهم إخراجنا، ولذلك قرروا قتل العديد من جنودنا قدر استطاعتهم. ولم لا؟ لم يعرفوا من سيخرج أولا، ولكنهم يريدون خروجنا".
"لقد تيقنت بأنني لن أستطيع إيجاد حل للمشكلة في العراق دون اللجوء إلى الجيران. ولحل المشكلة في العراق، كان علينا أن نشرك إيران وسوريا، كان علي أن أعمل مع الدول المجاورة"، كما يقول فالون.
قال لي فالون إن تركيزه لم يكن منصبا على القضية النووية الإيرانية، أو تغيير النظام هناك، بل على "إطفاء لهيب النيران في العراق". فقد كان هناك نقاشات مستفيضة في واشنطن وفي الميدان حول السبيل لمشاركة إيران. وحول خيار قصف طهران، قال فالون إنه يعتقد بأن "ذلك قد يحصل فقط إذا أقدم الإيرانيون على تصرف أحمق".
إن استقالة فالون، رغم كل ذلك، تبدو مدفوعة ليس فقط بسبب تعليقاته السلبية بشأن قصف إيران، بل أيضا بسبب إيمانه القوي بقيادته وإصراره على ضرورة تبليغه بالعمليات الخاصة التي تجري في المناطق التي يتحمل مسؤوليتها.
أحد المدافعين عن فالون الجنرال المتقاعد في المارينز جون جاك شيهان الذي كان يتولى في آخر مهامه رئاسة القيادة الأطلسية الأميركية، حيث كان فالون نائبا له. في العام الماضي، رفض شيهان عرض البيت الأبيض ليصبح "قيصر" الرئيس في الحروب بالعراق وأفغانستان.
و"من الأسباب التي جعلت البيت الأبيض يختار فالون قائدا لـCENTCOM كونه مفكرا إستراتيجيا وقد أظهر مهاراته في المحيط الهادي" كما قال لي شيهان. (خدم فالون قائدا للقوات الأميركية في المحيط الهادي في الفترة الواقعة بين 2005 و2007).
"وكان مسؤولا عن صنع إستراتيجيات متماسكة تتعلق بإيران والعراق وأفغانستان، كذلك فإن القائد المقاتل من حيث القانون يعد مسؤولا عن جميع العمليات العسكرية التي تجري داخل منطقة العمليات التي تخضع لمسؤوليته".
ولكن ذلك لم يحصل، يقول شيهان. "فعندما حاول فالون التحقق من النشاطات السرية والعلنية التي يجريها الجيش في منطقته، قامت مجموعة صغيرة في قيادة البيت الأبيض بإغلاق الباب في وجهه".
" عندما حاول فالون التحقق من النشاطات السرية والعلنية التي يجريها الجيش في منطقته، قامت مجموعة صغيرة في قيادة البيت الأبيض بإغلاق الباب في وجهه " |
هذا القانون الذي تطرق إليه شيهان هو ميثاق إعادة تنظيم الدفاع لعام 1986 المعروف بـ
Goldwater-Nichols الذي حدد التسلسل القيادي بدءا من الرئيس ووزير الدفاع مرورا برئيس هيئة الأركان المشتركة، وحتى قادة القتال الآخرين الذين يتحملون مسؤولية جميع جوانب العمليات العسكرية بما فيها التدريب والعمليات اللوجستية المشتركة.
تلك السلطة كما ينص عليها الميثاق، لم تكن لتشترك فيها مستويات أخرى من القيادة، غير أن إدارة بوش كجزء من حربها على الإرهاب، أنشأت سياسات جديدة تعمل على تقويض القادة الإقليميين، ومثالا ذلك، فقد منحت الإدارة فرق العمليات الخاصة في القيادات العسكرية المنتشرة حول العالم، أكبر أولوية من حيث الدعم والتجهيز.
إن تحييد التسلسل القيادي التقليدي في السنوات الأخيرة كان نقطة توتر بين البيت الأبيض والجيش الرسمي.
"تماسك الإستراتيجية العسكرية قد تضاءل بفعل النفوذ المدني والتوجيه غير المبرر للعمليات العسكرية غير التقليدية" يضيف شيهان. "إذا كان لديك مجموعات صغيرة تخطط وتنفذ عمليات عسكرية دون معرفة وسيطرة القائد القتالي، فإنه من الطبيعي أن لا يكون هناك إستراتيجية عسكرية متماسكة، وينتهي الأمر بكارثة، كما حدث لجهود إعادة الإعمار في العراق".
الأميرال فالون المعروف باسم فوكس (الثعلب) كان على علم بأنه سيواجه صعابا جمة كأول ضابط بحرية يتولى قيادة CENTCOM التي عادة ما يترأسها قائد بري، كما أخبرني أحد زملائه العسكريين.
كما كان فالون مدركا بأن مجتمع العمليات الخاصة سيكون مثار قلق. "قال فوكس إن ثمة العديد من الأشياء الغريبة التي تجري في العمليات الخاصة، وقد قلت له إن عليه أن يفهم ما يقومون به"، بحسب زميل فالون. وأضاف "عناصر العمليات الخاصة فهموا في نهاية المطاف أنهم بحاجة إلى فوكس، ولذلك بدؤوا يتحدثون إليه. وكان فوكس سيكسب معركته مع العمليات الخاصة لولا تشيني".
مستشار البنتاغون قال إن "فالون استقال لأنه كان يحاول بطريقته الخاصة منع نشوب الحرب ضد إيران، وعليك أن تعجب به لذلك".
في الأشهر الأخيرة، ووفقا لوسائل الإعلام الإيرانية، كان هناك تصعيد في العنف بإيران، من الصعوبة بمكان في هذه المرحلة المبكرة، رغم ذلك، أن يعزى ذلك لنشاطات سي أي أيه أو JSOC، أو تقييم تأثيرها على القيادة الإيرانية.
إن تقارير الصحافة الإيرانية تخضع لمراقبة حثيثة من قبل العقيد المتقاعد من القوات الجوية سام غاردينر الذي يدرس الإستراتيجية في كلية ناشيونال وور، ويصنع الآن ألعابا حربية منصبة على إيران لصالح الحكومة الفدرالية، والجامعات ومكاتب الأبحاث.
الصحافة الإيرانية "منفتحة جدا في وصف عمليات القتل التي تجري داخل البلاد" كما يقول غاردينر. ويضيف "إنها صحافة خاضعة للسيطرة ما يجعل من نشرها لمثل هذه الأشياء أمرا مهما للغاية. بدأنا نرى الحكومة من الداخل". ويتابع "قلما يمر يوم دون أن نرى اش