ابحث عن
 
العضوية|من نحن|إلى الجزيرة|بيانات صحفية|خريطة الموقع|مركز المساعدة
الأحد 16/8/1427 هـ - الموافق 10/9/2006 م (آخر تحديث) الساعة 15:06 (مكة المكرمة)، 12:06 (غرينتش)
شهيدان بنيران قوات الاحتلال قرب مدينة نابلس شمال الضفة الغربية
طباعة الصفحة إرسال المقال
مسلمو وعرب أميركا بين تبعات 11/9 والثورة اليمينية المضادة


علاء بيومي

- عصر المد الليبرالي
- الثورة اليمينية المضادة
- 11/9 الأزمة والعدو الجديد
- تبعات خمس سنوات

تمثل الذكرى السنوية الخامسة لهجمات الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول 2001 فرصة هامة للوقوف على أهم خصائص ردة فعل الولايات المتحدة حكومة وشعبا تجاه مسلمي وعرب أميركا من مواطنين ومهاجرين.

وذلك لأن المسافة الزمنية -خمس سنوات- التي تفصلنا عن الأحداث تعطينا قدرة على المقارنة وتمييز ردود الأفعال الرئيسية عن نظيرتها الهامشية.

عصر المد الليبرالي
وإذا كانت العودة إلى الوراء وقراءة التاريخ مفيدتين في فهم ما يجري في الواقع المعاصر، فحري بنا البحث عن جذور أقدم لما يمر به المسلمون والعرب في أميركا من ظروف في الفترة الحالية، وقد يمثل العام 1965 على وجه التحديد، وعقد الستينيات بشكل عام نقطة مثالية لسرد قصة الجيل الراهن من مسلمي وعرب أميركا.

ففي عقد الستينيات دخلت الولايات المتحدة الأميركية مرحلة تاريخية جديدة يمكن وصفها بمرحلة "المد الليبرالي" التي ثار فيها المجتمع الأميركي، خاصة أجياله الشابة على بعض التقاليد والمؤسسات التقليدية السلبية داخل المجتمع الأميركي.

وجاءت على رأس تلك المؤسسات مؤسسات العبودية والعنصرية الموجهة ضد السود والأقليات والمهاجرين بالمجتمع الأميركي، والنزعة العسكرية الإمبريالية في السياسة الخارجية الأميركية كما تمثلت في حرب فيتنام.

"
قوانين الهجرة في الستينيات سمحت بدخول أعداد متزايدة من المهاجرين من مختلف بلدان العالم، بما في ذلك الدول المسلمة والعربية، ما خلق جوا سادت فيه التعددية واحترام حقوق وحريات وخصوصيات المهاجرين والأقليات
"
وفي العام 1965 أجرت الحكومة الأميركية تعديلات جوهرية على قوانين الهجرة سمحت بدخول أعداد متزايدة من المهاجرين القادمين من مختلف بلدان العالم، بما في ذلك الدول المسلمة والعربية، إلى الولايات المتحدة والاستقرار فيها، وذلك في جو سادت فيه النزعات الثقافية المنادية بالتعددية واحترام حقوق وحريات وخصوصيات المهاجرين والأقليات وغير الممثلين سياسيا.

ويعود لقوانين العام 1965، والظروف الثقافية والسياسية التي سمحت بسنها، فضل كبير في قدوم واستقرار الجيل الراهن من مسلمي وعرب أميركا وهو جيل يختلف بدرجة كبيرة عن الهجرات العربية إلى أميركا في أواخر القرن الـ19 وأوائل القرن العشرين التي غلبت على أبنائها الديانة المسيحية.

كما أن تلك الهجرات أتت إلى الولايات المتحدة في مرحلة تبنت فيها أميركا سياسة أكثر صرامة تجاه دمج الأقليات عرفت باسم "بوتقة الصهر" التي سادت خلال النصف الأول من القرن العشرين.

وفي المقابل جاء مهاجرو الستينيات من بلدان مسلمة وعربية مختلفة ليجدوا بيئة أميركية أكثر احتراما للتعددية الثقافية وللحقوق والحريات المدنية في ظل تطور واضح في وسائل الاتصال والمواصلات سمح للمهاجرين الجدد بالحفاظ على روابط أقوى مع أوطانهم الأم.

وقد ساعدت الظروف السابقة مسلمي وعرب أميركا على بناء بنية متزايدة من المؤسسات الثقافية والدينية تقدر حاليا بأكثر من 2000 مؤسسة، للحفاظ على هوياتهم الثقافية والدينية ومصالحهم السياسية والعامة.

الثورة اليمينية المضادة
ولكن إذا كان عقد الستينيات قد شهد أوج المد الليبرالي وحركات التعددية الثقافية بالولايات المتحدة فإنه شهد أيضا ميلاد حركات مقاومة يمينية أميركية محافظة سعت تدريجيا لإحداث "ثورة مضادة" ضد "المد الليبرالي" وهي ثورة رأى المتابعون أنها وقعت في أوائل التسعينيات فيما عرف باسم "ثورة الجمهوريين" التي وقعت في العام 1994.

الثورة اليمينية المضادة لم تكن لتتحقق دون توفر عدد كبير من العوامل الثقافية والسياسية والديمغرافية داخل أميركا وعلى المستوى الدولي.

فعلى المستوى الدولي شهد عقد الستينيات هزيمة أنظمة علمانية واشتراكية عبر العالم، خاصة في الشرق الأوسط، كما بدأت حركات دينية محافظة في الصعود سياسيا وثقافيا عبر العالم، بما في ذلك أميركا، بداية من السبعينيات.

وفي الثمانينيات دخلت الاشتراكية ونموذجها السوفياتي الأهم مرحلة إعياء كبرى توجت بانهيار الاتحاد السوفياتي وانتصار أميركا في الحرب الباردة.

وفي الداخل الأميركي أسهم عدد كبير من التغيرات الكبرى في تراجع مكانة اليسار وصعود اليمين تدريجيا على مختلف الأصعدة.

فعلى الصعيد الاقتصادي أسهم التحول من الاقتصاد الصناعي إلى اقتصاد الخدمات واقتصاد المعلومات في تراجع قوة ونفوذ العمال ونقاباتهم التي كانت تمثل نواة أساسية لتعبئة قوى اليسار الأميركي الجماهيرية والسياسية، كما زادت الفجوة بين الفقراء والأغنياء في أميركا بشكل مطرد.

ففي العام 2005 بلغ ما تمتلكه أغني20% من الأسر الأميركية نسبة 50.4 % من الدخل الأميركي، وهي النسبة العليا منذ العام 1967، كما بلغ عدد الأميركيين الذين لا يمتلكون تأمينا صحيا 46.6 مليون أميركي.

وفي العام نفسه بلغ متوسط دخل رؤساء الشركات 262 مرة مقارنة بدخل العامل العادي، وذلك مقارنة بـ24 مرة فقط عام 1965.

على المستوى السياسي أسهمت الفجوة المتزايدة بين الفقراء والأغنياء في زيادة الفجوة بين توجهات النخب السياسية التي يمولها الأثرياء، وتوجهات غالبية الشعب التي تعجز عن مجاراة إمكانيات ونفوذ الأثرياء.

إذ تشير إحصاءات أحد مراكز الأبحاث الأميركية المستقلة المعنية بتتبع تأثير المال على السياسية الأميركية إلى أن 237 ألف متبرع تبرعوا في انتخابات العام 2002 التشريعية بنسبة تقدر بحوالي 83% من مجموع التبرعات السياسية التي جمعت في تلك الانتخابات، والتي تقدر بحوالي 873 مليون دولار أميركي، مع العلم بأن نسبة هؤلاء المتبرعين لا تتعدى أكثر من 0.08% من مجموع الشعب الأميركي.

وعلى المستوى الديمغرافي استقبلت أميركا منذ السبعينيات أكثر من 34 مليون مهاجر، كما تمركز الأفارقة الأميركيون والأقليات في المدن الكبرى خاصة في الشمال الشرقي وولايات الغرب الليبرالية مثل كاليفورنيا.

"
قادت الثورة اليمينية المضادة إلى ما أطلق عليه البعض اسم "الحرب المدنية الثانية" التي هدفت لإبطال إنجازات أجندة الليبراليين المنادية بالتعددية الثقافية، إذ طالب المحافظون بالحد من الهجرات ورفض التعددية الثقافية وفرض التراث الغربي في صورته الأنغلوسكسونية البروتستانتية
"
وقد أدى ذلك إلى نزوح عدد متزايد من السكان البيض من تلك المدن واستقرارهم في الضواحي وفي ولايات الجنوب التي شهدت صعودا متزايدا للحركات المسيحية الدينية، واتحدت مع أثرياء الجنوب الذين زادوا غنى ومع قيادات الحزب الجمهوري المحافظة للقيام بثورة ضد قيادات الحزب الديمقراطي والنخب الثقافية الليبرالية التي لم يرض عنها المسيحيون المحافظون.

وقادت التطورات السابقة تدريجيا إلى فوز الجمهوريين بأغلبية مقاعد مجلس النواب الأميركي لأول مرة منذ عقود في العام 1994، كما حقق الجمهوريون سيطرة كاملة على الكونغرس بمجلسيه والبيت الأبيض في العام 2002.

عندها بدأ الساسة الجمهوريون في فرض أجندة تبطل ما حققه الليبراليون خلال العقود الأربعة السابقة، وعلى رأس بنود الأجندة المحافظة خفض الضرائب والحد من برامج الرفاهية وخصخصة برامج الضمان الاجتماعي.

وعلى المستوى الثقافي قادت الثورة اليمينية المضادة إلى ما أطلق عليه البعض اسم "الحرب المدنية الثانية" التي هدفت لإبطال إنجازات أجندة الليبراليين المنادية بالتعددية الثقافية، إذ طالب المحافظون تدريجيا بالحد من الهجرات ورفض التعددية الثقافية وفرض التراث الغربي في صورته الأنغلوسكسونية البروتستانتية، والحد من النقد الذي توجهه الجماعات اليسارية للتراث الغربي التقليدي المحافظ.

هذا إضافة إلى الدفع بأجندة المحافظين دينيا على مستويات فكرية وسياسية مختلفة مثل مكافحة الإجهاض ورفض الاعتراف بحقوق الشواذ وتحدي نظرية "النشوء والتطور".

11/9 الأزمة والعدو الجديد
في وقت وصلت فيه أمواج الثورة المضادة ارتفاعا غير مسبوق، وقعت أحداث الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول 2001 لتمنح أصحاب الأجندات الثقافية والاجتماعية والسياسية المنغلقة عاملين هامين إضافيين ساعدا على تقوية مواقفهم المتشددة ضد المهاجرين والأقليات والأجانب بصفة عامة وضد المسلمين والعرب بصفة خاصة.

العامل الأول هو الشعور بالأزمة والتهديد والخوف الناتج عن هجمات 11/9 الإرهابية، وهنا يؤكد البعض –مثل ميشيل واكر مؤلفة كتاب "امنعوهم" المتعاطف مع المهاجرين– أن الأميركيين عادة ما يسيؤون التصرف في أوقات الأزمات، وهي عادة سيئة أعادها الأميركيون بشكل متكرر، كما حدث ضد المهاجرين الألمان في الحرب العالمية الأولى وضد المهاجرين اليابانيين في الحرب العالمية الثانية.

العامل الثاني هو بلورة دور المسلمين كعدو بديل للاتحاد السوفياتي، وهنا تجب الإشارة إلى كتاب الأكاديمي والمفكر الأميركي واسع النفوذ صموئيل هنتينغتون الصادر في العام 2004 بعنوان "من نحن: تحديات الهوية الوطنية الأميركية" الذي عبر فيه صراحة عن اعتقاده بأن الأميركيين يتوحدون بشكل أقوى حول هويتهم الوطنية في أوقات الأزمات وضد الأعداء المشتركين.

وقد أكد على إمكانية أن يلعب "الإسلاميون المسلحون" الذين لم يعرفهم في كتابه بشكل دقيق أو محدد دور العدو الجديد الذي يوحد الأميركيين ضده.

إضافة إلى العوامل السابقة وقعت أحداث سبتمبر/ أيلول في فترة كساد اقتصادي أميركي، وفي وقت صعدت فيه قوى المسيحيين المتدينين السياسية بما يحمله بعض قياداتهم من رؤى سلبية تجاه المسلمين وتجاه الشرق الأوسط تماشيا مع إيمانهم بنبوءات آخر الزمان الإنجيلية، وفي فترة صعود لنفوذ المحافظين الجدد داخل أروقة السياسة الخارجية الأميركية بتركيزهم المبالغ فيه على العالم الإسلامي والشرق الأوسط.

وقد ساعدت العوامل السابقة مجتمعة على مضاعفة أثر أحداث سبتمبر/ أيلول 2001 على مسلمي وعرب أميركا.

"
المسلمون والعرب الأميركيون إذا توفرت لديهم الموارد الكافية خلال السنوات المقبلة فسوف يشاركون شراكة كاملة مع دعاة التسامح والتعددية في المجتمع الأميركي لترسيخ تلك القيم مرة أخرى في الولايات المتحدة
"
تبعات خمس سنوات

شكلت العوامل السابقة ردة فعل الولايات المتحدة حكومة وشعبا تجاه المسلمين والعرب منذ 11/9 على النحو التالي.

أولا: فيما يتعلق بصورة الإسلام والمسلمين، توضح الاستطلاعات المختلفة أن مشاعر التمييز والعداء ضد المسلمين تنتشر بنسبة تتراوح بين 20% و33% من الأميركيين، وتتراوح النسبة نفسها بين 25% و40% في أوقات الأزمات.

ثانيا: على مستوى الحقوق المدنية استمرت حوادث التمييز ضد مسلمي أميركا في الارتفاع بشكل مطرد، وإن كان أقل في نسبة الارتفاع السنوي مقارنة بالفترة التالية للهجمات، إضافة إلى دخول مؤسسات الدولة الأميركية نفسها سباق المنافسة بين أهم مصادر التمييز ضد مسلمي أميركا.

ثالثا: على المستوى السياسي لم تقدم القيادة السياسية الأميركية عروضا محددة للتعامل مع ما يتعرض له الإسلام والمسلمون من تشويه، ففي الوقت الذي حرصت فيه الإدارة على مديح الإسلام كدين والفصل بينه وبين معتقدات الإرهابيين استخدمت الإدارة أوصافا مثل "الإسلاميين الراديكاليين" و"الإسلاميين الفاشيين" ربطت بشكل غير واضح أو محدد -خاصة لدى المواطن الأميركي العادي ضعيف المعرفة بالإسلام- بين الإرهابيين والإسلام.

رابعا: على المستوى الاجتماعي دفعت الضغوط السابقة بعض المسلمين إلى العزلة أو إنهاء "حلمهم الأميركي" طواعية بمغادرة أميركا، كما دفعت البعض للتملص من الإسلام كهوية ومن المسلمين كجماعة وكحركة سياسية.

على الجانب الإيجابي يمكن الإشارة إلى الظواهر التالية:
أولا: حافظ مسلمو وعرب أميركا ومنظماتهم الرئيسية على خطاب وموقف اندماجي إيجابي رافض للعزلة والتهميش، وذلك في وجه الانعزاليين والمتملصين.

ثانيا: بدا واضحا خلال السنوات الخمس الأخيرة أن المسلمين والعرب الأميركيين يقفون في نفس الخندق، وتربطهم علاقات وثيقة مع جماعات أميركية ليبرالية دينية وأخرى علمانية كان لها الفضل في ترسيخ التسامح كقيمة أساسية داخل المجتمع الأميركي، مثل منظمات الأقليات والحقوق والحريات المدنية وجماعات السلام.

ويعني هذا أن المسلمين والعرب الأميركيين، إذا توفرت لديهم الموارد الكافية خلال السنوات المقبلة، فسوف يشاركون شراكة كاملة مع دعاة التسامح والتعددية في المجتمع الأميركي في ترسيخ تلك القيم مرة أخرى بالولايات المتحدة.
__________________
كاتب مصري

المصدر: الجزيرة
احفظ وشارك طباعة الصفحة إرسال المقال
11 سبتمبر.. تأملات في الذكرى الرابعة
محنة الإعلام الحر في عالم 11 سبتمبر
11 سبتمبر وأخواتها.. دروس من وراء الجراح
11 سبتمبر.. الذكرى والمدلول
المسلمون الأميركيون وآثار أحداث سبتمبر
بان في غزة وميتشل يعود لإسرائيل
الرئيس التونسي يهاجم معارضيه
تأكيد موريتاني لقطع العلاقة بإسرائيل
حوار إستراتيجي أميركي باكستاني

تحليلات|كتب|وجهات نظر|أحداث العام|تغطيات 2009|ملفات خاصة 2009

جميع حقوق النشر محفوظة2000- 2010م(انظر اتفاقية استخدام الموقع)