مقالتي هذه لا تنفصل عن مقالتي السابقة "قراءة في تاريخ وهوية الأردنيين" بل إن تلك المقالة كانت مقدمة لهذه. وقد اهتممت بالتعليقات الواردة عليها, وأهمها أن بعض الذين استاؤوا من إيراد حقائق موثقة تاريخيا حاولوا الإيحاء بأنها غير لازمة أساسا وأن المقالة لم تأت بجديد.
فهؤلاء كرسوا غرضي من المقالة, لكونهم بهذا أقروا بصحة ما خلصت له من أن هوية الشعب الأردني السياسية كانت منذ ما قبل نشوء الإمارة "هوية قومية تصر على الاستقلال عن أي نفوذ أجنبي وتتمثل الوطن والوطنية بصيغة واحدة لا بديل لها هي دولة المواطنة الديمقراطية النيابية".
في هذه المقالة سنتوقف تحديدا عند ما طرحه بعض من يتحدثون باسم "الوطنية الأردنية", في إشاراتهم المبهمة إلى هوية أردنية يقولون إنهم حريصون عليها دون التعرض لكون كافة مواقع القرار سقطت منذ أمد, بالتعيين والتزوير, في يد دوائر أسرية ضيقة ويجري توريث مقاعدها ومكاسبها للأبناء والأصهار في حلقة أصبحت مغلقة ليس فيها من يمثل الشعب الأردني.
" معيار "الأردنة" تحقق للمجلس النيابي الحالي عمليا منذ ما سُمِّي بعودة الديمقراطية, إذ أصبح ما يقارب ثلاثة أرباع المجلس من "الشرق أردنيين", مع أنه مجلس يفترض أن يمثل شعبا أكثر من نصفه من أصول فلسطينية " |
والمتمعن في شخوص تلك الحلقة يجد أنها تدور, تاريخيا, في فلك اتفاقية وادي عربة, وما مهد لها من مفاوضات علنية وسرية, وما نتج عن كسر المحرمات التاريخية بزعم مكاسب مالية من خلط "البزنس" بالسياسة بشكل صارخ مؤخرا.. مما انتهى إلى "خصخصة وطن".
مجالس نوابنا الأخيرة, وتحديدا مجلس نوابنا الحالي يفترض أن يقف مثالا على أحد نجاحات "الوطنية الأردنية" في "أردنة" مؤسسة حكم رئيسة. ولكن يصعب القول إن أي جزء من ذلك النجاح صب في صالح تلك "الوطنية الأردنية"، بل على العكس انعكس عليها سلبا. فتلك المجموعة التي تقدم نفسها على أنها من المعارضة تكون بطرحها هذا وفرت غطاء من شرعية شعبية لتكريس نهج الإقصاء والمحاصّة الرسمي الذي تولته بكامله الحكومات, مدعومة بأجهزة أمن دورها التاريخي في عملية الانتخابات معروف, وصولا لتحديد آخر فرد يقصى أو يقرب بأن يعطى حصة في المجلس التشريعي أو الحكومة أو غيرها من الوظائف التي امتد تعريفها ليشمل المجالس البلدية وحتى ترؤس هيئات أهلية.
ومعيار "الأردنة" تحقق للمجلس النيابي عمليا منذ ما سُمِّي بعودة الديمقراطية, إذ أصبح ما يقارب ثلاثة أرباع المجلس من "الشرق أردنيين", مع أنه مجلس يفترض أن يمثل شعبا أكثر من نصفه من أصول فلسطينية. وتحديد ما يراوح بين الربع والثلث للمنحدرين من أصول فلسطينية تتولاه الجهات التي تفرز تلك المجالس, وهي غير الشعب, لكون تلك الجهات تحتاج لوجود مشاركة فلسطينية في التصفيات الجارية للقضية الفلسطينية باسم المسار السلمي والمفاوضات. ويمكن بسهولة قراءة معايير انتقاء تلك "الكوتا" المتذبذبة, للمواقع النيابية وللمواقع الوزارية, من إصرار حكوماتنا الأخير على التنسيق حصريا مع أبي مازن وسلطته التي لا سلطة لها.. أي أنهم من لون محدد, وكلهم بلا سلطة.
والحال الذي بلغه المجلس الحالي الذي -حتما- "هويته" لم تعد فلسطينية, يظهر من اضطرار نصف أعضائه مؤخرا إلى أن يعترفوا بسقوط هيبة المجلس, وبالذات لأنهم جلسوا أو أجلسوا عاجزين عن الرد على الكنيست حين ناقش قانون "الداد" في الكنيست، القانون الذي يقول إن "هذا هو الوقت المناسب لإقامة إسرائيل على الضفة الشرقية من نهر الأردن". ومعروف أن النخوة لا تأتي متأخرة, بل إن كل قوانين العالم تخفف من عقوبة جرائم تصل حد القتل إن جرت لحظيا لكون البشر معرضون لفورة دم.. ولا يوجد قانون يعترف بفورة دم تأتي بعد أشهر من حسابات الربح والخسارة.
ما يحاوله هؤلاء النواب الآن هو إجراء عملية تجميل لوجوههم أمام قواعدهم التي نعتتهم بكل ما في قواميس كافة اللهجات المحلية من كل الأصول والمنابت. ولذلك فما قام النواب بفرزه باعتباره الأولى بالإصلاح في صورة مجلس كلها مشوهة, هو رئيس المجلس الذي يتعامل معه وكأنه "وسيّة" سيقت له بمن عليها, مكافأة على تواطؤ أسرته في"وادي عربة". ولكن الشارع بأغلبيته الساحقة غير مؤمن بالبدائل المطروحة أيضا, ويراها تغييرا في الوجوه دون النهج وتنافسا على مكتسبات المنصب غير المشروعة والمتضخمة.
لهذا فالشارع غير مقتنع بجدية السعي للتغيير ويعتقد أنها مناورة إحلالية لبعض الوجوه وتحسين فرص بعض آخر في التفاوض بما يرفع ثمن التصويت. والشعب محق في هذا فتاريخ ما يسمى مجالس نوابنا في العقد الأخير وصل حد أن يعلن رئيس حكومة مكلف في ذات صحافتنا أنه "لن يدفع" مقابل التصويت له بالثقة, في اعتراف علني مكتوب بما كان معترفا به من قبل شفاهة ومعروفا ضمنا للجميع من أن من سبقوه دفعوا.. ولكنه عاد ودفع!!
" الحديث ليس عن "هوية أردنية" تتناقض مع "هوية فلسطينية", وليس حتما عن هوية الحكم بمعنى "سويته", بل هي عن هوية من يحتكرون حلقة الحكم, وما يتم السعي له الآن ليس أكثر من تكريس حالة لا تجد أي قبول من الشعب " |
الحديث إذًا ليس عن "هوية أردنية " تتناقض مع "هوية فلسطينية", وليس حتما عن هوية الحكم بمعنى "سويته", بل هي عن هوية من يحتكرون حلقة الحكم. وما يتم السعي له الآن ليس أكثر من تكريس حالة لا تجد أي قبول من الشعب, لضمان استمرارها في ظل أية تسوية تجري. ومن أهم مخاطر هذه المحاصّة الاستباقية أنها لم تعد معنية حقيقة "بأية تسوية تجري", وهو ما سنأتي إليه.
ولكننا بداية سنعرض للسوية التي مثلتها "الهوية الأردنية" الأصل, للمقارنة. فأول تجسيد لهوية الشعبين المشتركة بعد الوحدة, جاء في صيغة مجلس نواب يفخر الجميع أردنيون وفلسطينيون بأدائه. فالمجلس الذي جمع نوابا يمثلون مناصفة فلسطين بكل ما كان يمور فيها آنذاك من قضايا سياسية وقضايا معيشية خدمية ملحة, والأردن بكل ما يتطلع إليه أهله سياسيا وما يفتقرون لأدنى حدوده خدميا, لم يجر فيه لا قبض ولا وهب, ولا تراشق نوابه بالأصول والمنابت والمتكآت وكاسات الماء والملوخية وتهم بيع أراضي فلسطين والأردن, ولم يصلوا حد رفع المسدسات على بعضهم وعض بعضهم, ثم شتم وضرب الصحافة لأنها تعكس صورتهم تلك.. فصورة ذلك المجلس كانت مشرفة من أية زاوية التقطت.
وقد انعكست على الشارع السياسي وغير السياسي. وحتى الملاعب والمدارس التي كان "تلاميذها" مسيّسين بأكثر مما نرى بين "طلاب" جامعاتنا الآن, لم نكن نجد فيها أية قسمة فئوية ولا أي عنف أو إسفاف. ففي دولة المواطنة والقانون وحكم الشعب النيابي الدستوري, لا خوف من تطورات كارثية للخلافات الصغيرة التي تحدث في الملاعب أو بين طلبة.. إذ ليس هنالك داع لافتعال معارك في القاعدة لقبض أثمانها في المواقع العليا.
بل إن ذلك المجلس الموحد في حماية مال الشعب وممارسة سلطته في محاسبة الحكم رفض بكل وقار وبعد نقاش من "سوية" عالية, إقرار مشروع الموازنة كما أحالته إليه الحكومة. ولهذا جرى حلّه!! ولكن حتى تداعيات حل ذلك المجلس تشكل مفخرة له ولسوية الشعبين الموحدين حينها, لكونها أنتجت دستور عام 52 الذي عاد وكرس هوية الشعبين الموحدة في وثيقة تاريخية قد يكون أمكن القفز عنها بطرق غير مشروعة, ولكنها وثيقة بقيت تكبر في نظر ووجدان الشعب بحيث انضم للمطالبة بالعودة لها قطاعات سياسية واسعة كانت تاريخيا ولعهد قريب تكفّر القول بالدستورية والديمقراطية.. وكون العودة لحكم الدستور هو أيضا مطلب رئيس للجماعة التي اختارت اسم "الوطنية الأردنية " للدفاع عن الأردن في وجه مخطط الوطن البديل, يؤشر في حد ذاته على تناقضات وقعت فيها تلك الجماعة, ربما "بفورة دم" نتيجة ما يحصل، وهو ما يستوجب العذر, ولكنه لا يغني عن التصحيح.
ومن تلك التناقضات رفض هؤلاء الحديث عن وجود حقوق منقوصة لقطاع من الشعب, متسلحين بتبوؤ بعض من هم من أصول فلسطينية لمناصب قيادية. وفي هذا نعيد القارئ إلى أصول الحالة. فعندما جرى القفز عن حقوق الأردنيين في انتخاب ممثليهم وحكوماتهم, جرى التمهيد لقبول الوضع بتقريب انتقائي لزعامات شرق أردنية وتصنيفهم باعتبارهم قوى موالاة في مواجهة ذوي الأصول الفلسطينية الذين اعتبروا قوى معارضة.
ومجرد قبول البعض بالقفز عن منظومة "الحقوق" واستبدال منظومة "عطايا" انتقائية بها, مكن من إعادة رسم خارطة الزعامات الأردنية ذاتها.. وفي الطريق إلى هذا جرت التضحية ببعض الزعامات الحقيقة الراشدة لصالح أخرى مستحدثة.. تماما كما تم تقريب أو تنصيب زعامات فلسطينية وإن بأعداد أقل, جرى انتقاؤهم من بين من ساعدوا على تمرير قرار وحدة الضفتين, ثم قرار الذهاب لمدريد ثم وادي عربة, توأم أوسلو الذي أوصلنا إلى هذا الحال.. وهو بمجموعه مما يوجب على "الوطنية الأردنية" أن تتوقف هذه المرة عند الأسباب قبل النتائج, لتشخيص المرض وعلاجه وليس التورط بتكريسه عبر ما يظن أنه تخفيف من أعراضه.
" "التوطين المحدود" رؤية تراوح بين وجوب توسيع قاعدة مشاركة الأردنيين من أصول فلسطينية في الوظائف العامة والدرجات العليا, وبين أن يجري القبول بتوطين أعداد معينة من اللاجئين بإعطائهم جوازات سفر أردنية وكافة الحقوق الأخرى باستثناء الحقوق السياسية " |
فبعض هؤلاء بدؤوا يمهدون ويروجون لنية الأردن القبول "بالتوطين في حدود معينة"، مع أن الأساس هو عدم قبول "التوطين" وعدم قبول "إسقاط حق العودة" من حيث المبدأ, تماما كما يقال عن الخطيئة أو الجريمة, أو "الكفر والخيانة" كما يصف هؤلاء الكتاب أي تنازل عن حق العودة. ومع ذلك هم يعودون للخوض في ترتيبات هذا التوطين وحتى عن دراسات "منشورة وغير منشورة" تتضمن تقديرات لمن سيختارون البقاء في الأردن ويتنازلون عن حق العودة.. ويفوت هؤلاء أن يتبينوا أن المطلوب من الأردن, بداية, هو قبول التنازل عن "مبادئ", يسهل بعده أمر الأعداد والتوصيفات ما بين مهجري لجوء أو نزوح أو إبعاد (أي ترانسفير).
والأخطر من هذا يتجلى في تفاصيل رؤية أولئك الكتاب التي يتطوعون بها (وليس فقط تبريرهم لما تنوي الدولة فعله) لكيفية تنفيذ ذلك "التوطين المحدود". وهي رؤية تراوح بين وجوب توسيع قاعدة مشاركة الأردنيين من أصول فلسطينية في الوظائف العامة والدرجات العليا بطريقة تحقق "عدالة أكبر", أي أن هؤلاء فعلا أردنيون ولكن بحقوق منقوصة لن تكتمل تماما، وبين أن يجري القبول بتوطين أعداد معينة من اللاجئين والنازحين (هنا تكون صفة الأردنيين قد نفيت عنهم مع أنهم مواطنون منذ قيام المملكة ويشملهم تعريف دستورها للمواطنة), بإعطائهم جوازات سفر أردنية وكافة الحقوق الأخرى باستثناء الحقوق السياسية. أليست الحقوق السياسة الضمانة الأولى والأخيرة لكافة "الحقوق الأخرى" لأي قطاع من البشر في أية بقعة من العالم؟؟ّّ!!
والآن وبعد إعلان نتنياهو الصريح أن لا دولة بل "كيان" بلا سيادة, ولا حق عودة, بل إمعانه في إجراءات عدة توحي بتصاعد التفريغ الجاري للضفة ليلحق به الترانسفير من "الدولة اليهودية", ثم تصريح ليبرمان بأن لا ضرورة لحل القضية الفلسطينية لا الآن ولا لسنوات طويلة قادمة قد تمتد ستين عاما أخرى, أو لقرن آخر لكون عمر المؤامرة الصهيونية فاق قرنًا.. هل يجوز أن يترك من نزعت حقوقهم السياسية وجزء كبير من حقوقهم المدنية والإنسانية بسحب جوازات سفرهم بالتعذر بقرار فك الارتباط, في خانة الـ"بدون" وهم يعيشون داخل الأردن؟؟
ما إمكانية تعايش طبقتين (السفلى منهما مرشحة للتزايد عدديا في موجات تهجير يعد لها منذ الآن) بمنظومتين للحقوق, أو ثلاث منظومات لكون بعضهما لن يملك الحق السياسي تحديدا, دون أن تشعل أصغر شرارة فتيل مواجهة تريدها إسرائيل, أو أية جهة عميلة تتكشف أوراقها فتعمد لخلط الأوراق أو تفجير الموقف كله لتتغطى بالمعمعة.. أليس هذا ما حدث في لبنان؟؟
والأدهى أن قبولنا بكل هذه المخاطر لن يضع حدا لتدخل إسرائيل فينا, بدليل ما عرضه "الداد" على الكنيست, وبخاصة لكون اتفاقية وادي عربة لم تفد إلا بتوسيع دائرة التدخل في شؤوننا بانتهاك سيادتنا وحدودنا والسطو على ثرواتنا.. والأدهى من ذلك اعتبارنا بوابة لإسرائيل على العالم العربي لإلحاقه بحكمها دونما احتلال -لكونها لا تقدر على كلفة احتلال كيلومتر واحد جديد- بل عبر "التطبيع". وبيريز -الرئيس الإسرائيلي الحالي ومهندس مسيرة واتفاقيات السلام- هو الذي صرح عند حضوره قمة "الشرق الأوسط وشمال أفريقيا الاقتصادية" في الدار البيضاء عام 1994 فور توقيع "وادي عربة", القمة التي قصد أن تكون أول دخول علني لإسرائيل للساحة الاقتصادية العربية, بأن "العرب جربوا قيادة مصر لثلاثين عاما, وعليهم الآن أن يجربوا قيادة إسرائيل"!!
" الشعوب العربية كلها في جانب وقف التعامل مع إسرائيل, بما فيها شعب "الشقيقة الكبرى". أما الشقيقة الكبرى الثانية, السعودية, فلديها فيما يبدو حصافة سياسية تجعلها تدرك أن خطر التطبيع يهدد وجودها بمثل ما بات يهدد به وجودنا " |
التطبيع هو مطلب إسرائيل الوحيد, ولأغراض الهيمنة على كل مقدرات العالم العربي, مع استمرار العبث بأمنه كي لا يستقر ويتفرغ لبناء ذاته. فإسرائيل كائن طفيلي يموت إن توقف عن العيش على غيره. والحل ليس في فتح أبوابنا لإسرائيل وإغلاق منافذ الحياة عن بعضنا.
الحل في وقف كل هذه القسمة, والعودة لهويتنا الأساسية المجسدة في دستورنا الذي يوحد كل قوانا في ظل دولة المواطنة. افعلوا كما يريد ليبرمان أن يفعل.. جمدوها عند النقطة التي تخدمنا ولا تخدمهم, نقطة علاقات ما قبل وادي عربة.
والشعوب العربية كلها في جانب وقف التعامل مع إسرائيل, بما فيها شعب "الشقيقة الكبرى".. أما الشقيقة الكبرى الثانية, السعودية, فلديها فيما يبدو حصافة سياسية تجعلها تدرك أن خطر التطبيع ليس لمجرد كونه سلاسل صفقات خاسرة, بل لكونه يهدد وجودها بمثل ما بات يهدد به وجودنا.